جاوِرِ السعيدَ تَسعَد

 

بقلم: د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

جاورتُ أهلَ الخير، فأزهَرَ صدري، وأضاءَ بصري، وزارني الأُنس، ولم أذق طَعم السعادة إلّا في جِوارهم. وما أجمل أن نذكر هنا قول النبي ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فكما يكون الجار، تكون أنت ولو بعد حين.

كم من أرواحٍ أرهقها ثِقل الحياة، لا لذنبٍ ارتكبته، بل لأنها ابتُلِيَت بجوارٍ قاسٍ أو علاقة مُنهكة! وكم من قلوبٍ أزهرت، فقط لأنها جاورت قلوبًا عامرة بالإيمان، نقيّة في السريرة، سامية في التعامل!

في زمنٍ تداخلت فيه المفاهيم وتكاثرت فيه الضوضاء الاجتماعية، أصبحت المجاورة الطيبة أملًا، بل حاجةً ملحّة. فالجوار ليس اقترابًا في البنيان، بل اقترابٌ في الوجدان، ومجاورةٌ في مكارم الأخلاق، وصفاء القلوب.

جاوِرِ السعيدَ تَسعَد… ليست مجرد مقولة متداولة، بل خُلاصة حياة وتجربة وجدانية. فمن جاورَ السعداء طبعًا لا وضعًا، أشرقت أيامه، واستنار قلبه، وأزهرت روحه. الطيّبون لا يمنحونك المال، لكن يمنحونك الطمأنينة، والدفء، والإيمان بأن الخير لا يزال كثيرًا.

السعادةُ عدوى طيّبة، تنتقل دون إذن… فقط جاوِر أهلها، تُصِبك بركتها، وتُدهشك خِفّتها على الروح. فكن أنت أيضًا مصدرًا لهذه السعادة، بابتسامتك في وجوه جيرانك، وكونك سندًا لهم في الأزمات، وحفظك لحقوق الجوار كما أوصى النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

تذكّر أن جار السوء قد يُظلمك بظلمه، وجار الخير يُشرق لك بنوره. فالعلاقات الطيبة تُصلح النفس كما تُصلح التربةُ الزهرَ. فاختر جيران قلبك كما تختار جيران دارك، واجعل لنفسك نصيبًا من جوار أصحاب الذوق الرفيع، والقول اللين، والموقف النبيل، واحفظ قلبك من كل علاقةٍ تسرق نورك، أو تُطفئ طاقتك، أو تجرّك إلى الأسوأ.

جاوِرِ السعيدَ تَسعَد، وجاور النقيَّ، تتطهّر، وجاور الرافعين، تعلو.

اللهم اجعلنا من جيران السعداء في الدنيا، ومن جيران أوليائك في جنات النعيم، واجعلنا ممن يُقال فيهم: “جاوروه… فإن في قُربه خيرًا لا يُحصى.”

صدى نيوز إس 5

Related Posts

الأبوة ليست نسبًا… إنها مسؤولية

  بقلم: فايل المطاعني الحكواتي هناك دروس لا تُعلِّمها المدارس، ولا تمنحها الجامعات، بل تصنعها الحياة. ومن أهم تلك الدروس أن يدرك الإنسان معنى الأب الحقيقي. كثير من الشباب يظنون أن الأب هو من أنجب فقط، بينما الحقيقة أن الأبوة أوسع من ذلك بكثير. فالأب هو من يربي، ويحتوي، ويخاف، ويسهر، ويمنح من عمره وصحته وراحته حتى يرى أبناءه في خير. ومن المواقف التي تتكرر في…

حين نُقيِّد العقول بحسن نية.. خطأ تربوي يُضعف شخصية الأبناء

  بقلم د/ معدي حسين علي آل حيه بحكم عملي في التوجيه الطلابي، وحرصي على متابعة ما يُسهم في بناء شخصية الأبناء والطلاب، اخترت أن أكتب في هذا المقال عن موضوع يهم الآباء والمربين، مستلهمًا مادته من أحد المواقع المتخصصة في التربية؛ لما يحمله من رسائل تربوية عميقة تمس واقعنا اليوم. فكل مربٍّ يسعى إلى غرس الإيمان والأخلاق والقيم في نفوس من تحت يده، ويبذل في…

لقد فاتك ذلك

الأبوة ليست نسبًا… إنها مسؤولية

الأبوة ليست نسبًا… إنها مسؤولية

حين نُقيِّد العقول بحسن نية.. خطأ تربوي يُضعف شخصية الأبناء

حين نُقيِّد العقول بحسن نية.. خطأ تربوي يُضعف شخصية الأبناء

النجاح قرار… وليس اختيارًا

النجاح قرار… وليس اختيارًا

يئة مكة المكرمة تنظم زيارة ميدانية لطلاب جامعة الملك عبدالعزيز إلى سد وادي غليل

يئة مكة المكرمة تنظم زيارة ميدانية لطلاب جامعة الملك عبدالعزيز إلى سد وادي غليل

آل الصقير يحتفلون بِزواج إبنهم ” زهير “

آل الصقير يحتفلون بِزواج إبنهم ” زهير “

وجهة مسار تستضيف أطفال جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة مستوحاة من المائدة النبوية

وجهة مسار تستضيف أطفال جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة مستوحاة من المائدة النبوية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode