العطاء المهدور: عبوات المياه الخيرية بين البر والتبذير

 

كتبه: سالم بن عبيد الصويط مكة المكرمة

المستشار الأكاديمي بكلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب والسنة.

العمل الخيري رسالة سامية، تتسابق فيها النفوس الكريمة لبذل المال والوقت طلباً للأجر، وسعياً لنشر روح التكافل في جسد الأمة، كالمطر الذي يروي الأرض القاحلة. ومع ذلك، كثيراً ما يتحوّل هذا الخير إلى صورة من صور الهدر، فتتكدس عبوات المياه عند أبواب المساجد، وتذوي في المخازن تحت الغبار، أو تتحول إلى لعبة للأطفال يتراشقونها في المساجد والطرقات، فتفقد النوايا الطيبة رونقها، ويضيع أثر العطاء قبل أن يصل إلى مستحقيه، كظلٍ يذوي قبل أن يلمس الأرض.

الهدر لا يقتصر على العبوات المهدورة، بل يمتد ليشمل أعباء النقل والتخزين وجهود المتطوعين، بينما حاجات حقيقية تنتظر من يواسيها ويخفف عنها وطأة الحرمان: مريض يبحث عن دواء، طالب ينكسر حلمه على أبواب الفقر، وأسرة تنتظر ما يقيم أودها. وقد وصف القرآن المبذرين بعبارات قاطعة: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، مؤكداً أن التبذير في أبسط الموارد يوازي ضياع الأثر العظيم للخير، ويحول النية الطيبة إلى عمل بلا جدوى.

الرشد في العطاء لا يعني التقليل، بل توجيهه الوجهة الأقوم، فتتحقق الفائدة المستمرة. فالاستثمار في مشاريع مستدامة مثل حفر الآبار، إقامة محطات تحلية صغيرة، صيانة شبكات المياه، أو التعليم والصحة والتنمية، يجعل من كل ريال بذرة خير تنمو وتثمر جيلاً بعد جيل. هكذا يظل أثر العطاء باقياً، لا يزول بزوال العبوة أو بفوضى الأطفال العابثين، بل يروي النفوس ويحيي الأرض ويزرع الوعي والكرم في قلوب الأجيال.

العطاء الرشيد هو البر الحقيقي، وسجله ميزان الحسنات، لا سجلات الهدر والتبذير. إنه العطاء الذي يترك بصمته في كل قطرة ماء، وفي كل ريال يُبذل، ويصبح جسراً متيناً بين النية الصافية والعمل الموفّق، ليظل الخير ممتداً في حياة الناس، يواكبهم اليوم ويصل بهم إلى الغد، فيصبح إرثاً حيّاً للكرم والرحمة والتكافل.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

المملكة وخدمة ضيوف الرحمن.. نموذج عالمي رائد في إدارة الحشود ورعاية الوفود

بقلم: الشيخ الدكتور/ محمد حنيفة عبد المناس – عميد كلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية بجامعة جنوب شرق سريلانكا إنه لمن دواعي شرفي العظيم أن أسطر هذه الكلمات لحكومة المملكة العربية السعودية أصالة عن نفسى ونيابةً عن زملائي المشاركين ضمن الوفد السريلانكي لضيوف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ورعاه لأداء مناسك الحج عام ١٤٤٧ على نفقته حفظه الله ، وتأتي هذه…

فن الاعتذار

  شجاعة الاعتراف بالخطأ وجمال التسامح بقلم: نور بنت حسن الغسانية رئيسة جمعية المرأة العمانية – صلالة متى نعتذر؟ سؤال يتبادر إلى الأذهان، كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف نعتذر؟ للأسف، ما زالت هناك فئة من الناس تعتقد أن الاعتذار ضعف أو جبن، بينما الحقيقة أن الاعتذار شجاعة وأدب ورقيّ في التعامل. فالإنسان الواثق من نفسه لا يتردد في الاعتراف بخطئه، ولا يرى في…

لقد فاتك ذلك

جمعية فتاة الأحساء التنموية تشارك بركن تعريفي في برنامج “نُجلكم ونقدّركم حق التقدير”

جمعية فتاة الأحساء التنموية تشارك بركن تعريفي في برنامج “نُجلكم ونقدّركم حق التقدير”

طيران الرياض يدشن أولى رحلاته الداخلية إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة

طيران الرياض يدشن أولى رحلاته الداخلية إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة

وزيرة التضامن تُكرم “مصر الخير” لدورها الفعال في احتفالية مبادرة «فرحة مصر» لتجهيز العرائس

وزيرة التضامن تُكرم “مصر الخير” لدورها الفعال في احتفالية مبادرة «فرحة مصر» لتجهيز العرائس

بعد النجاح الكبير في «علي كلاي».. درة تدرس أعمالًا معروضة عليها لإختيار مشروعها الفني المقبل

بعد النجاح الكبير في «علي كلاي».. درة تدرس أعمالًا معروضة عليها لإختيار مشروعها الفني المقبل

المملكة وخدمة ضيوف الرحمن.. نموذج عالمي رائد في إدارة الحشود ورعاية الوفود

المملكة وخدمة ضيوف الرحمن.. نموذج عالمي رائد في إدارة الحشود ورعاية الوفود

جماهير الأهلي تحتفي بإنجاز كأس النخبة الآسيوية في أمسية وفاء.وتكريم بقاعة الماسة

جماهير الأهلي تحتفي بإنجاز كأس النخبة الآسيوية في أمسية وفاء.وتكريم بقاعة الماسة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode