المؤرخ يوسف بن فهد الهلال… الوفاء للمكان يتجلّى في زيارة نادي أثر الثقافي لمجلسة العامر

في أطراف واحة محافظة الأحساء، حيث تمتد الذاكرة كما تمتد ظلال النخيل، تقف بلدة الجِشّة بهدوئها الواثق، حاملةً في تفاصيلها حكايات رجالٍ آمنوا بأن المكان ليس أرضًا تُسكن فحسب، بل هو هوية تُصان. ومن بين أولئك الذين ارتبط اسمهم بوعي المنطقة وذاكرتها، يبرز الأستاذ المؤرخ يوسف بن فهد الهلال، أحد وجاهة المنطقة وأحد أكثر أبنائها المخلصين وفاءً وانشغالًا بتاريخها وروحها.

لم يكن الهلال رجل مناسبة عابرة، ولا اسمًا يُستدعى في سياق احتفائي فحسب، بل تجربة ممتدة لأكثر من نصف قرن من العمل التربوي والاجتماعي والثقافي. عرفته الميادين التعليمية مربّيًا يحمل رسالته بهدوء العالم، وعرفته ساحات العمل الأهلي مصلحًا وداعمًا لمبادرات الخير، حاضرًا حيث تكون الحاجة، دون ضجيج أو ادعاء.

وعلى امتداد مسيرته، تولّى رئاسة أعضاء الشرف في نادي الروضة بالجِشّة، وترأس لجنة التنمية الاجتماعية بالجفر لأكثر من خمسة عقود، وأسهم في تأسيس جمعية الجِشّة الخيرية، في مسيرة تعكس وعيًا مبكرًا بأهمية العمل المؤسسي، وإيمانًا بأن خدمة المجتمع لا تقوم على الجهد الفردي العابر، بل على البناء المنظم والاستدامة.

امتد أثره إلى العمل الخيري والاجتماعي، وإلى دعم المبادرات المعنية بالأسر والشباب والأنشطة الثقافية، فكان جزءًا أصيلًا من نسيج الفعل الأهلي في الجِشّة والأحساء. ومن يتأمل سيرته يلحظ أن العطاء لديه لم يكن متقطعًا، بل أقرب إلى خيطٍ متصل من المسؤولية الصادقة.

ومن بين مسارات عطائه المتعددة، برز مشروعه في التوثيق بوصفه امتدادًا طبيعيًا لوعيه بأهمية صون الذاكرة المحلية. فصدر له عمله الموسوعي «الجِشّة بين أمجاد الماضي وإشراقة المستقبل»، وهو كتاب لا يُقرأ بوصفه سردًا للأحداث فحسب، بل جهدًا واعيًا لحماية الهوية المحلية.

في هذا العمل، أعاد المؤلف تشكيل صورة الجِشّة عبر مراحلها المختلفة؛ نشأةً وتحوّلًا، عمرانًا ومجتمعًا، أسماءً ورجالات. جمع الروايات الشفوية قبل أن تبهت، ووثّق الصور قبل أن تتفرق، واستحضر الوثيقة قبل أن تُطوى. فجاء الكتاب شاهدًا على وعيٍ تاريخي يرى في الماضي ركيزةً للمستقبل، لا مجرد حنين إليه.

وتقديرًا لهذه المسيرة، زار نادي أثر الثقافي مجلسه العامر المليء بالكرم والابتسامة
في الجِشّة مساء يوم الجمعة ١٠ رمضان ١٤٤٧ هـ، يتقدّمهم مؤسس النادي أحمد البراهيم ورئيسه منذر البراهيم، حيث قدّما تعريفًا بأهداف النادي ورسائله الثقافية في الأدب، وإبراز الرموز المجتمعية وصون الذاكرة المحلية، مؤكدين أن تكريم الأستاذ يوسف بن فهد الهلال يأتي وفاءً لمسيرةٍ جمعت بين التربية والعمل الأهلي والتوثيق. وأكدّا أن مسيرة الأستاذ يوسف بن فهد الهلال تمثل نموذجًا للوفاء للمكان وتحويل الانتماء إلى مشروعٍ يخدم الأجيال. وفي ختام الزيارة، قدّم النادي درعه التذكاري وعضويته ووشاحًا ملكيًا يحمل شعاره، عرفانًا بإسهاماته الثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ومع كل هذا الرصيد، بقي يوسف بن فهد الهلال محتفظًا بسمته الإنسانية الأولى: بساطة المربي، ووقار العالم، وقرب الإنسان من الناس. لم يسعَ إلى لقب، ولم يحتج إلى تعريف؛ فقد تكفّل أثره بالتعريف به.

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، ويغلب فيه العابر على الباقي، يقدّم الهلال نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا يؤمن أن خدمة المكان تبدأ بمعرفته، وأن التاريخ حين يُكتب بصدق يصبح جسرًا للوعي، لا أرشيفًا للذكريات.

هكذا تُبنى السِيَر الهادئة…
لا بضجيج العناوين، بل بثبات الأثر.
—————-
صادق جواد المطر
١٠ رمضان ١٤٤٧ هـ
٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م

صدى نيوز إس 2

Related Posts

«من غسق الأمس إلى فجر اليوم» في ثقافة وفنون جدة.. عزيزة المانع تستعيد ذاكرة التحول

د. منصور نظام الدين – نوال مسلم :جدة:- احتضنت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، مساء اليوم، أمسية «من غسق الأمس إلى فجر اليوم»، للدكتورة عزيزة عبدالعزيز المانع، ضمن «الكلمة – صالون ثقافي»، بالتعاون مع «هاوي»، وأدارت الحوار الكاتبة نبيلة محجوب، في لقاء استعاد محطات من الذاكرة الثقافية والاجتماعية السعودية، وقرأ تحولات المجتمع من منظور من عايش جانبًا منها وكتب عنها ووثق بعض وجوهها. وجاءت الأمسية…

د. وليد فتيحي: «كل دقيقة حياة».. ونجدد وعدنا لجدة بعد 20 عاماً

حوار – عبدالله الينبعاوي بالتزامن مع افتتاح قسم الطوارئ الموسّع ومركز التميّز لرعاية القلب، يتحدث الدكتور وليد فتيحي، رئيس المركز الطبي الدولي، عن أهمية التوسعة، وما تضيفه للمنظومة الصحية في جدة، إلى جانب مستجدات مشروع مستشفى أبحر، وخطط تطوير المنطقة المحيطة بالمركز، وتجربة المركز في التعليم الطبي. كيف تصفون أهمية افتتاح قسم الطوارئ الموسّع ومركز التميّز لرعاية القلب للمركز الطبي الدولي ولمدينة جدة؟ يمثل افتتاحهما أكبر…

لقد فاتك ذلك

المقصف المدرسي.. غذاء أم عادة تحتاج مراجعة؟

المقصف المدرسي.. غذاء أم عادة تحتاج مراجعة؟

«من غسق الأمس إلى فجر اليوم» في ثقافة وفنون جدة.. عزيزة المانع تستعيد ذاكرة التحول

«من غسق الأمس إلى فجر اليوم» في ثقافة وفنون جدة.. عزيزة المانع تستعيد ذاكرة التحول

احتفال بالذكرى الحادية والستين ليوم الدفاع عن باكستان 

احتفال بالذكرى الحادية والستين ليوم الدفاع عن باكستان 

د. وليد فتيحي: «كل دقيقة حياة».. ونجدد وعدنا لجدة بعد 20 عاماً

د. وليد فتيحي: «كل دقيقة حياة».. ونجدد وعدنا لجدة بعد 20 عاماً

قبيلة آل الداحس تنعى الفقيد غانم بن حديب 

قبيلة آل الداحس تنعى الفقيد غانم بن حديب 

فريق شذرات الإبداع للتدريب التطوعي يختتم الملتقى الأول لمدربي ومدربات التدريب التطوعي

فريق شذرات الإبداع للتدريب التطوعي يختتم الملتقى الأول لمدربي ومدربات التدريب التطوعي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode