لخدر العاطفي… حين يسرق إيقاع الحياة سرعة إحساسنا

في وضعنا الحالي، في هذا العصر الذي نعيشه الآن، عصر السرعة والتقدّم والتنظيم المتسارع للحياة، تراجع حضور الشعور في تفاصيل أيامنا. أصبحنا نمرّ بالمواقف مرورًا سريعًا، نبتسم دون امتلاء، ونحزن دون عمق، وكأن الإحساس نفسه لم يعد يجد الوقت الكافي ليكتمل.

الخدر العاطفي حالة دفاعية صامتة تظهر مع تراكم الضغوط وتزاحم المهام واستمرار التوتر لفترات طويلة. في هذه الحالة يحاول الجهاز العصبي حماية الإنسان من الإنهاك، فيخفّض حدّة الاستجابة الانفعالية، وكأن العقل يهمس: “سأخفّف الإحساس كي تظلّ قادرًا على الاستمرار.”

في علم النفس يُشار إلى هذه الحالة أحيانًا بمفهوم “تسطّح الوجدان” أو “التبلّد الانفعالي”، وهي وضع يفقد فيه الإنسان القدرة على اختبار الفرح العميق أو الحزن الكامل. لا لأن المشاعر اختفت، بل لأن طاقتها خمدت مؤقتًا. المجتمع الحديث، بضجيجه الرقمي وتدفّقه المستمر واقتصاد انتباهه الشرس، يُرهق الدماغ بفيضٍ لا ينقطع من المحفزات؛ أخبار متلاحقة، صور مؤثرة، مقارنات اجتماعية، إشعارات لا تهدأ. أمام هذا السيل يتعوّد الدماغ ويُطبّع الحدث، حتى أكثر الأحداث تأثيرًا، ليغدو عاديًا.

فنجد أنفسنا نعيش في منطقة رمادية؛ لا نفرح الفرح الذي يُغني الروح، ولا نحزن الحزن الذي يُنقّي القلب. تصبح المشاعر سريعة، سطحية، عابرة. ننتقل من حدث إلى آخر دون أن نمنح أنفسنا فرصة الاستيعاب أو الهضم النفسي. ولهذا يهمس كثيرون في داخلهم: “لم أعد أشعر كما كنت.”

لكن هذه الحالة ليست نهاية، بل إشارة داخلية تدعونا إلى الإبطاء. فالمشاعر العميقة تحتاج زمنًا ومساحة وصمتًا. تحتاج أن نعيش اللحظة بدل أن نستهلكها، أن نقلّل كثافة التجارب ونزيد عمقها. أن نحتسي قهوتنا بوعي، لا بين إشعارين. أن نمنح موقفًا واحدًا في يومنا حقه الكامل من الإحساس.

استعادة الشعور لا تأتي بافتعال مشاعر صاخبة، بل بالعودة التدريجية إلى الجسد أولًا؛ تنفّس أبطأ، مشي بلا سماعات، ساعة بلا هاتف، كتابة بلا هدف، صمت بلا تشتيت. حين يهدأ الجسد، تلحق به العاطفة. وحين ينخفض الضجيج، تعود التفاصيل الصغيرة لتنبض.

إنها حالة يخفت فيها توهّج الإحساس دون أن ينطفئ تمامًا. وما يخفت يمكن أن يستعيد دفئه متى توفّر له حضورٌ ووعي. ويبقى السؤال الأصدق: هل ما نعيشه هدوء ناضج، أم فراغ داخلي؟ الفرق بينهما دقيق، لكنه عميق. الهدوء يمنحنا اتزانًا، أما الفراغ فيطلب عناية.

ربما لم نفقد مشاعرنا… ربما فقط أسرعنا أكثر مما ينبغي.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

أحمد باديب .. عاشق جدة ومؤرّخها ،، والأكاديمي ،، والموسوعة الشاملة ،، والنموذج المشرّف في مسيرة البناء 

خالد حناوي / جدة  هو ذاكرة مدينة جدة ، بعبقها التاريخي وإرثها العريق .. هو مؤرّخها الأول بما يختزن من قصص وذكريات عروس البحر الأحمر التي عايشها بنفسه وظل وفيّاً لها طيلة حياته ، وورث عشقها لأبنائه وأحفاده . هو الأكاديمي الذي كرّس حياته لخدمة وطنه . هو موسوعة متنوعة ، ورحلة مليئة بالكفاح والإنجازات . هو أديب ومعلّم ( مربّي أجيال ) ورجل أعمال ،…

فوق أرض منى.. يهمس الماضي بعراقة الأثر، ويشمخ الحاضر بمعجزة الإنجاز

بقلم ابنة مكة المحبة المرشدة السياحية:  عبيرعبدالوهاب فكيرة   في منى، تصافح عيناك التاريخ العباسي في المسجد العتيق، وتبهرك عبقرية العمارة السعودية في المنشأة العملاقة. على مقربة من جمرات منى، يقف مسجد البيعة شامخاً بلا سقف كأنه يفتح قلبه للسماء، محتفظاً بصدى عهود الصحابة الأولى، بينما يرتفع بجواره جسر الجمرات بطوابقه الخمسة كصرحٍ هندسي جبار، ليثبت للعالم أن رعاية هذه البقاع أمانة ماضٍ يُشيدها الحاضر تشرفنا…

لقد فاتك ذلك

مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير بالجزائر يكشف عن البوستر الرسمى للدورة الثانية

مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير بالجزائر يكشف عن البوستر الرسمى للدورة الثانية

الإعلامية فاطمة مبارك بارفعة تشارك في فعالية فريق برواز بمركز الفروسية التابع للهيئة الملكية بينبع

الإعلامية فاطمة مبارك بارفعة تشارك في فعالية فريق برواز بمركز الفروسية التابع للهيئة الملكية بينبع

أحمد باديب .. عاشق جدة ومؤرّخها ،، والأكاديمي ،، والموسوعة الشاملة ،، والنموذج المشرّف في مسيرة البناء 

أحمد باديب .. عاشق جدة ومؤرّخها ،، والأكاديمي ،، والموسوعة الشاملة ،، والنموذج المشرّف في مسيرة البناء 

فوق أرض منى.. يهمس الماضي بعراقة الأثر، ويشمخ الحاضر بمعجزة الإنجاز

فوق أرض منى.. يهمس الماضي بعراقة الأثر، ويشمخ الحاضر بمعجزة الإنجاز

العباسي يحتفل بعقد قران يارا وأديب

العباسي يحتفل بعقد قران يارا وأديب

شقيقة الكابتن أسعد تكروني في ذمة الله تعالى

شقيقة الكابتن أسعد تكروني في ذمة الله تعالى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode