الثقافة بين التراكم المعرفي وصناعة الوعي الوجودي

 

بقلم: أحمد علي بكري

إنَّ مفهوم الثقافة في جوهره العميق لا يمكن اختزاله في كونه مجموعة من المعارف المتراكمة أو المعلومات المصنفة التي يكتسبها الإنسان عبر مسيرته التعليمية أو الحياتية، بل هو في حقيقته بنية وجودية تتشكل تدريجياً منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الوعي الإنساني بالاصطدام بالعالم الخارجي، ذلك الاصطدام الذي لا يكون مجرد تفاعل حسّي عابر، بل هو بداية تشكّل علاقة معقدة بين الذات والوجود، علاقة تتطور لتصبح منظومة تفسيرية شاملة يحاول من خلالها الإنسان أن يمنح للفوضى معنى، وللتجربة اتجاه، وللحياة إطاراً يمكن من خلاله الفهم والتأويل والتصرف. ومن هنا فإن الثقافة ليست شيئاً يُضاف إلى الإنسان من الخارج، بل هي عملية داخلية مستمرة من إعادة بناء الذات عبر التفاعل مع التجربة والمعرفة واللغة والآخر، حتى تتحول في النهاية إلى ما يمكن تسميته بـ”خارطة طريق وجودية” تنظّم حركة الفكر وتوجّه الإدراك وتعيد ترتيب العالم في ذهن الإنسان بصورة قابلة للفهم والتعايش.

هذا التراكم المعرفي ليس تراكمًا كمّيًا فحسب، بل هو في جوهره تحوّل نوعي في بنية الوعي، إذ إن كل تجربة يمر بها الإنسان، وكل معلومة يتلقاها، وكل قراءة أو مشاهدة أو حوار يخوضه، لا يمر مروراً سطحياً إذا ما تم استقباله بعقل يقظ، بل يترك أثراً يتراكم فوق غيره ليصنع طبقات من الفهم، هذه الطبقات هي ما يشكل لاحقاً الجهاز الإدراكي الذي يحكم على الأشياء ويقارن بينها ويميز بين الصحيح والزائف، وبين العميق والسطحي، وبين الأصيل والدخيل. ومن هنا تتجلى الثقافة بوصفها “حصناً معرفياً” لا يحمي الإنسان من الجهل فقط، بل يحميه من الانخداع أيضاً، ذلك أن أخطر ما يهدد الإنسان ليس غياب المعرفة، بل وجود معرفة مشوهة أو سطحية تجعله يظن أنه يفهم وهو في الحقيقة لا يزال في بداية الطريق.

وفي هذا السياق، تصبح المناهج الدراسية والكتب التعليمية ليست مجرد أدوات إلزامية لتمرير الامتحانات أو اجتياز المراحل، بل هي في أصلها مواد تأسيسية لبناء العقل، وإذا ما تم التعامل معها باعتبارها “مفروضاً” لا “مفتاحاً”، فإنها تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها التحويلية، أما إذا أعاد الإنسان النظر إليها بوصفها البذرة الأولى لفهم أوسع وأعمق، فإنها تتحول إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو بناء معرفة ممتدة، لا تنتهي بانتهاء الفصل الدراسي، بل تبدأ منه. إن الفرق بين من يقرأ ليحفظ ومن يقرأ ليفهم، هو الفرق بين عقل يعيش في حدود اللحظة، وعقل يعيش في امتداد الزمن. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للمعرفة لا تكمن في استدعائها عند الحاجة فقط، بل في قدرتها على الاستقرار داخل البنية الذهنية بحيث تتحول إلى جزء من طريقة التفكير نفسها.

ومن المؤسف أن كثيراً من مظاهر الهجوم على الأفكار أو الثقافات أو الطروحات الفكرية اليوم لا تستند إلى تأسيس معرفي حقيقي، بل تنبع من فراغ ثقافي يجعل من النقد فعلاً انفعالياً أكثر منه فعلاً عقلانياً، لأن النقد الحقيقي لا يمكن أن يولد من العدم، بل يحتاج إلى أدوات، وهذه الأدوات هي الثقافة ذاتها، بمعنى أن من يفتقر إلى بناء معرفي راسخ لا يملك في الغالب القدرة على التمييز بين ما يستحق القبول وما يستحق الرفض، فيقع في فخ التعميم أو الانفعال أو الإنكار غير المؤسس. ولذلك فإن أول ما تفرضه الثقافة الحقيقية على صاحبها هو “أدب المعرفة” قبل “جرأة الحكم”، أي أن الإنسان كلما ازداد معرفة ازداد تواضعاً أمام اتساع المجهول، وكلما اتسع وعيه قلّ يقينه المتعجل وزاد تدبره وتأمله.

وفي تجربتي الشخصية مع التلقي المعرفي، كثيراً ما لا تمر المعلومة مروراً عابراً، بل تتوقف عند تفصيلة صغيرة، كلمة في حوار، أو تعبير في مشهد، أو فكرة عابرة في نص أو فيلم، فتتحول تلك اللحظة إلى نقطة استفهام داخلية تدفعني إلى البحث في جذور المفهوم وسياقاته اللغوية والتاريخية والفكرية، ليس بدافع الترف العقلي، بل لأن العقل حين يُدرب على هذا النمط من التلقي يصبح في حالة اشتغال دائم، أشبه بعضلة لا تُترك للكسل، بل تُمارس عملها باستمرار، فتزداد قوة ومرونة وقدرة على التحليل والتركيب. وهنا تتجلى متعة الثقافة الحقيقية، فهي ليست عبئاً معرفياً ثقيلاً كما يظن البعض، بل هي حالة من اليقظة الممتعة التي تجعل الإنسان أكثر حضوراً في العالم، وأكثر قدرة على فهمه، وأكثر تحرراً من سطحية التلقي.

إن الثقافة في نهاية المطاف ليست مجرد وسيلة لزيادة المعلومات، بل هي عملية إعادة تشكيل للإنسان ذاته، فهي التي تمنحه القدرة على مقاومة التبسيط المخل، ومواجهة التضليل، وبناء موقف معرفي متزن من العالم، وهي التي تمنحه أيضاً قيمة مضافة في حياته المهنية والإنسانية، لأن الإنسان المثقف لا يتحرك بردود فعل سطحية، بل ينطلق من قاعدة معرفية تراكمت عبر الزمن، تجعله أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر حكمة في التعامل مع المواقف، وأكثر عمقاً في قراءة الواقع. وهكذا فإن الثقافة ليست رفاهية فكرية، بل هي ضرورة وجودية، بها يكتمل وعي الإنسان، وتتسع إنسانيته، ويصبح أكثر قدرة على أن يكون فاعلاً في العالم لا مجرد متلقٍ له، بل شاهداً واعياً ومشاركاً في صناعته.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

«معطف الدانتيل».. رواية تمزج الواقع بالخيال باكورة الأعمال الروائية لحفيدة الزمخشري لينا برناوي

  جدة – ماهر بن عبدالوهاب صدر حديثًا عن شركة سطور للنشر بجدة رواية «معطف الدانتيل» للكاتبة لينا برناوي، في أولى تجاربها الروائية، وهي رواية اجتماعية نفسية تقع في 160 صفحة من القطع المتوسط (14.8 × 21 سم)، وتمزج بين الواقع والخيال في معالجة أدبية تستكشف النفس الإنسانية، وتقدم تجربة تنحاز إلى العمق الشعوري أكثر من اعتمادها على تصاعد الأحداث. ويأتي هذا الإصدار في وقت يشهد…

قراءة نقدية في أعمال الفنان التشكيلي الدولي سامي الجفري

بقلم : المهندس محمد صعابنة تكشف الأعمال المعروضة للفنان سامي الجفري عن قدرة واضحة على إنتاج صورة ذات حضور بصري مباشر، وعن إهتمام متكرر بالإنسان والحيوان والرمز بوصفها عناصر قادرة على حمل الشحنة الشعورية. غير أن أهمية هذه المجموعة لا تكمن في وحدة أسلوبية مكتملة بقدر ما تكمن في تعدد المسارات التي يختبرها الفنان من المشهد الرمزي الداكن إلى البورتريه الحيواني مرورًا بالصورة ذات المرجعية التراثية،…

لقد فاتك ذلك

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقدم مساحة قانونية تناولت مصطلح القوة القاهرة.

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقدم مساحة قانونية تناولت مصطلح القوة القاهرة.

الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات

الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات

كيمياء الضوء داخل الخلية… نحو علاجات ذكية

كيمياء الضوء داخل الخلية… نحو علاجات ذكية

عامل الناس بثلاث… فلسفة الأخلاق التي تبني الإنسان والمجتمع

عامل الناس بثلاث… فلسفة الأخلاق التي تبني الإنسان والمجتمع

ريّانة العُود

ريّانة العُود

جامعة الملك عبدالعزيز تتصدر المشهد الأكاديمي السعودي بالمركز الأول محلياً

جامعة الملك عبدالعزيز تتصدر المشهد الأكاديمي السعودي بالمركز الأول محلياً

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode