بين كفالة النظام ورسالة الوعي: تمكين المرأة.. بناءٌ للوطن لا هدمٌ للبيوت

بقلم الدكتور / خالد عمر محمد العمودى – جدة:-

عاش المجتمع السعودي في السنوات الأخيرة تحولاً تنموياً كبيراً وقبلةً تطويرية غير مسبوقة، تجسدت في أبهى صورها عبر رؤية المملكة 2030 التي قاد زمامها عرّاب الرؤية سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-. هذا التحول المبارك لم يكن مجرد إعادة تنظيم للمؤسسات، بل كان إعادة صياغة للبنية البشرية نحو الأفضل، لتواكب المجتمعات العالمية في ميادين الإنتاج والعطاء.

وفي قلب هذا الحراك التطويري، برز ملف “تمكين المرأة” كأحد أهم المكتسبات الوطنية؛ فبعد عقودٍ انحصر فيها عطاؤها في أطرٍ محدودة كالتدريس والتطبيب والعمل الإداري البسيط، فُتحت أمامها اليوم مجالات واسعة كانت بالأمس مجرد حلم، فأصبحت واقعاً ملموساً يفيض بالفرص، ولا سيما في قطاعات التجارة والاستثمار التي شهدت تعديلات جوهرية في الأنظمة واللوائح لتسهيل انطلاقتها.

إن الهدف الأساسي من هذه التشريعات والتعديلات النظامية لم يخرج يوماً عن نطاق القانون الإسلامي ومقاصده السمحة، بل جاء ليعزز دور المرأة، ويحمي حقوقها، ويمنحها الاستقلالية والأمان الذي يصونها من التعنت والتسلط غير المنطقي. فالإسلام لم يرضَ للمرأة الضيم قط، وجاءت الرؤية لتؤصل هذا الحق نظاماً وتطبيقاً.

غير أن هذه النقلة الكبيرة أفرزت معضلةً اجتماعية عكسية لدى البعض؛ حيث اتخذت فئة قليلة من النساء خطوات وطرقاً سلبية في التعامل مع هذا التحرر الممنوح لهن. فبدلاً من استثماره كأداة بناء وتطوير، تحول لدى بعضهن إلى ما يشبه “ردة الفعل المفرطة” أو الانتقام من تعقيدات الماضي، والاندفاع نحو مسارات تؤدي إلى خللٍ في الأولويات، وتفككٍ في الروابط الأسرية التي هي اللبنة الأولى في جدار المجتمع.

إن جمال الرؤية وعمقها لا يكتمل إلا بنجاح المرأة في خدمة نفسها أولاً داخل محيطها العائلي، ثم خدمة وطنها ثانياً. فالتمكين ليس منصة للتصادم، أو مبرراً لإهمال الواجبات الأسرية، بل هو تشريف يتبعه تكليف ومسؤولية.

ولكي نصحح هذه المفاهيم الخاطئة ونوجه الطاقات نحو مسارها الصحيح، تبرز الحاجة الملحة إلى تكثيف برامج التوعية في أهم المحاضن الفكرية: المدارس، والجامعات، وبيئات العمل. إننا بحاجة إلى غرس مفهوم “تكامل الأدوار” في نفوس الأجيال الناشئة، وتسليط الضوء على القدوات المشرفة اللواتي وازنّ بين النجاح المهني والعطاء الأسري، بالإضافة إلى تقديم ورش عمل لحديثي التوظيف تضمن عدم طغيان ساعات العمل على استقرار البيوت.

خاتمة المقال:

إن القوانين والأنظمة تصنع البيئة والممكنات، ولكن “الوعي والقيم” هي التي تصنع السلوك والاتجاه. وعندما يتكامل النظام العادل مع الوعي الرشيد في مجتمعنا، تكتمل الصورة المشرقة لعكس جمال الرؤية، لنبني وطناً طموحاً أساسه أسرة مترابطة، وهويته قيمٌ راسخة لا تزعزعها رياح التغيير. هدا الله الجميع لما فيه خير البلاد والعباد.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

دكتور حسن الأمير تسير الكلمات في دروب البشر حافية تحمل على أكتافها أثقال النوايا وصراخ القلوب لكنها ما إن تطأ أرض التلقي حتى تتقاذفها رياح التأويل فتلبس غير ثيابها وتسكن غير بيوتها…… إن أخطر ما يواجه الكائن الإنساني في رحلته الوجودية ليس صمت الفراغ بل ضجيج المعاني المشوهة التي تولد في تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين شفتي المتكلم وأذن السامع….  هناك في ذلك البرزخ الضيق ترقد…

نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

ا/محمد باجعفر. ​حين يقع البصر على إناء تتنازعه حواف النقصان وريّ الارتواء، تتشعب العيون؛ فهناك من يرى السطح الواسع الممتد فراغاً، ومن يلمح ببطن الزجاجة بقية ماء ترفض أن تستحيل إلى جفاف. وإذا كان الفلاسفة طالما وقفوا طويلاً عند ثنائية الكوب الممتلئ والفارغ، فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في كمية ما هرب، بل في لجة ما تبقى؛ فحين ننظر إلى النصف الفارغ فنراه “غير ممتلئ”، فإننا…

لقد فاتك ذلك

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

مقصودٌ لم يُفهم..  ومفهومٌ لم يُقصد

الشيخ الجميري يحتفي بزواج نجله “صالح” 

الشيخ الجميري يحتفي بزواج نجله “صالح” 

جامعة الطائف تحتفي بسباق الجري السنوي الـ17 بمشاركة أكثر من 600 مشارك ومشاركة

جامعة الطائف تحتفي بسباق الجري السنوي الـ17 بمشاركة أكثر من 600 مشارك ومشاركة

نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

نصفٌ كُوبي.. فارغ، ونصفه الآخر غير ممتلئ!

السعودية تختتم مشاركتها في سوق السفر العالمي 2026 بلندن

السعودية تختتم مشاركتها في سوق السفر العالمي 2026 بلندن

مزرعة الحرية الطريق إلى السعادة

مزرعة الحرية الطريق إلى السعادة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode