دكتور/ حسن الأمير
شهدت الساحات الثقافية في الآونة الأخيرة تحولاً رقمياً لافتاً بيد أنه تحول حمل في طياته الكثير من التشوهات التي طالت أقدس ما تملكه الأمم تاريخها وأصالة تراثها وعمق موروثها………
فبين ليلة وضحاها تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “محاكم تاريخية” ومنابر معرفية نصب فيها بعض العابرين أنفسهم علماء ومؤرخين يوزعون صكوك الأصالة ويصيغون روايات التاريخ وفقاً ل “أهواء الخوارزميات” ورغبة حصد الإعجابات………..
إن هذا التطاول غير المحمود على الساحة الثقافية والتاريخية لم يعد مجرد “وجهات نظر” أو مشاركات عابرة بل تحول إلى ظاهرة من الاستسهال المعرفي تشكّل خطراً حقيقياً على الوعي الجمعي………
فالتاريخ ليس حكايات تُروى في مجالس السمر والتراث ليس بضاعة تُعرض للاستهلاك اليومي بل هما علمان قائمان على قواعد صارمة من التحقيق والتدقيق ومقارنة المصادر وسبر أغوار الوثائق…….
يكمن الخطر الأكبر في هذه الظاهرة في شعبوية المعرفة حيث أصبح صوت المدعي الجريء يعلو على صوت العالم المتزن……….
فالأكاديمي الحقيقي يقضي عقوداً بين المخطوطات والكتب ليخرج بنتيجة خجولة وموثقة بينما يكتفي “مؤرخ المنصات”
بمقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقة أو تغريدة مجتزأة ليحسم في أصل قبيلة أو تاريخ دولة أو عراقة موروث دون أدنى شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو العلمية…
إن تصدّر هؤلاء المشهد الثقافي أدى إلى بزوغ معارك وهمية وتجاذبات عقيمة قوامها التعصب والجهل……..
فحين يُنزع التاريخ من أيدي أهله الراسخين في العلم يُصبح أداة للفرقة بدلاً من أن يكون جسراً للامتداد والحضارة…. ويتحول الموروث من قيمة إنسانية وفنية نبيلة إلى وسيلة للتفاخر الأجوف والمزايدات الرقمية………
إننا اليوم أمام مسؤولية مشتركة فالمنصات وإن منحت الجميع حق الكلام فإنها لا تمنحهم شرعية العلم…….
والواجب يتطلب من المؤسسات الثقافية والأكاديمية ومن الوعي المجتمعي نفسه فرز الغث من الثمين ووضع حد لهذا الابتذال المعرفي……..
يجب أن يعود للمؤرخ وقاره وللبحث العلمي احترامه وأن ندرك جميعاً أن التاريخ أمانة أجيال وليس مسرحاً للباحثين عن الشهرة الافتراضية…..
لقد آن الأوان ليتنحى “أدعياء التاريخ” جانباً لشرعية الوثيقة والمنهج والعقل فالتاريخ يُكتب بمداد التحقيق لا بنزف التغريد.







