العتاب… لغة القلب التي لا تُترجَم بالكلمات

 

بقلم: أحمد علي بكري

العتاب ليس ضعفًا، ولا شكوى عابرة، ولا لحظة غضب طارئة. إنّه أعمق من كل تلك التوصيفات العابرة. العتاب في جوهره لغة خفية، لا تُقال إلا لمن يسكن القلب، ولا تُوجَّه إلا لمن ترك في الروح أثرًا لا يُمحى. هو رسالة حب راقية، صادقة، تقول في صمتٍ خافت: “أنت ما زلت تعني لي الكثير… وما زلتَ جديرًا بأن أفتح قلبي أمامك بكل ما يُؤلمني.”

العتاب ليس نزاعًا على كلمة أو موقف عابر، بل هو محاولة لترجمة مشاعر تتزاحم في القلب ولا تجد منفذًا إلا عبر البوح. إنه كالمطر، يبدأ غيمًا مُثقلًا، ثم ينهمر ليغسل شوارع النفس المزدحمة بالتراكمات. حين أعاتبك، فأنا في الحقيقة أصرخ بصوتٍ لا يُسمع: “لا أريد أن أخسرك… أرجوك افهمني قبل أن يخذلني الصمت.”

في لحظة العتاب، يُصبح القلب هو المتحدث الأوحد، وتختفي الأقنعة التي نرتديها أمام العالم. يظهر الإنسان بضعفه وحنانه، بشوقه وخوفه، وبكل ما يخفيه خلف كبريائه. فالعتاب ليس دليل جفاء، بل دليل قرب. إنه إعلان غير مباشر بأنك ما زلت تسكنني رغم كل الخيبات والظروف والصعوبات.

أحيانًا، يكون العتاب شبيهًا بمحاولة إعادة بناء جسرٍ تصدّع. الكلمات فيه ليست مرتّبة، والمشاعر قد تكون ملخبطة، لكن خلف ذلك الارتباك شوقٌ دفين لإعادة الوصل. العتاب ليس ندمًا على وجودك، بل خوف من غيابك. إنه القلق الخفيّ من أن تتلاشى العلاقة شيئًا فشيئًا، وأن تُطفئ المسافات نار المودة التي بيننا.

هو دعوة صامتة للصراحة، نافذة نطلّ منها على أعماق بعضنا البعض بلا حواجز، حتى نسمح لتلك المشاعر الصادقة أن تُرمّم ما هدمه سوء الفهم. العتاب قد يكون مؤلمًا، لكنه يحمل بين طياته بذور النجاة؛ هو الطريق الذي قد يقود علاقاتنا المتعبة إلى برّ الأمان.

فلا تهرب من العتاب، ولا تُسيء فهمه. استمع إليه كمن يصغي إلى قلبٍ يخشى أن يفقدك. لأنه في النهاية، العتاب ليس إلا لغة قلبٍ مخلص يحاول، بكل ما فيه من صدق، أن يترجم نبضاته إلى كلمات، وأن يقول لك: “تمسّكت بك رغم كل شيء، فلا تجعلني أندم على هذا التمسك.”

وأنا أكتب لك الآن، لست أعاتبك لأجل الماضي، بل لأني أريد أن يبقى المستقبل بيننا أجمل. أعاتبك لأنك ما زلت أغلى ما أملك، ولأن صمتي عنك سيكون وجعًا أكبر من أي كلمة قد أقولها لك. فلا تجعل من عتابي سببًا للبعد، بل اجعله دليلًا على أني ما زلت هنا، أتمسك بك، وأنتظرك أن تفهمني قبل أن يخذلني الصمت.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

اللجوء

  بقلم / دكتورة لبني يونس اللجوء في جوهره عقد أخلاقي غير مكتوب بين الضيف والمضيف ، فعندما تفتح دولة أبوابها، وتوفر ملاذاً آمناً وخدمات إنسانية، فإنها تتوقع في المقابل التزاماً بقوانينها واحتراماً لسلامة مواطنيها. وارضها ومواردها ، لا أن يتحول هذا الملاذ إلى ساحة للإعتداء والترويع هو ليس فقط خيانة لهذا العقد، بل هو إنكار لأدنى درجات “رد الجميل”. الإنخراط في المجتمع والعيش بسلام هو…

أَرجوحَــــــــة الزَمَــــــــن

*الكاتبة* : *مُزنَــــــة البلوشيَّــــــــــة* يمضي الزَّمنُ لا على خُطىً ثابتة، بل على أرجوحةٍ خفيّة، ترفع القلبَ حينًا إلى قمم الفرح، وتخفضه حينًا إلى وهاد الحزن. فلا ليلٌ يدوم، ولا فجرٌ يغيب؛ بل هي أيّامٌ تتعاقب تعاقب الموج على شاطئ العمر، مرّةً تعلو بالبهجة، ومرّةً تنكسر على صخور الأسى. إنّ للحياة ألوانًا كألوان قوس المطر؛ فيها سوادُ الهمّ إذا ادلهمّت الغيوم، وبياضُ الأمل إذا انشقّت في الأفق…

لقد فاتك ذلك

اللجوء

اللجوء

القادسية يوقّع مع أديداس شريكًا رسميًا للأطقم الرياضية

القادسية يوقّع مع أديداس شريكًا رسميًا للأطقم الرياضية

أَرجوحَــــــــة الزَمَــــــــن

أَرجوحَــــــــة الزَمَــــــــن

سمو الأمير  عبدالعزيز الفيصل: كل التوفيق لمنتخباتنا العربية المشاركة في مونديال 2026

سمو الأمير   عبدالعزيز الفيصل:  كل التوفيق لمنتخباتنا العربية المشاركة في مونديال 2026

الفرق بين الأدوات الأمنية والحوكمة الأمنية؟

الفرق بين الأدوات الأمنية والحوكمة الأمنية؟

دانية أوحاشي: تمثيل الجزائر في PFL مسؤولية كبيرة وأسعى لإبراز قدرات المقاتلة الجزائرية

دانية أوحاشي: تمثيل الجزائر في PFL مسؤولية كبيرة وأسعى لإبراز قدرات المقاتلة الجزائرية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode