هيمنة الثقافة السريعة… كيف خسر الجيل هويته في زمن التيك توك

 

 

بقلم:محمد أبو حريد

 

لم يعد المشهد الثقافي كما عهدناه قبل سنوات قليلة. فالعصر الحديث — عصر السرعة — أعاد تشكيل الإنسان والطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى الآخرين. تغيّرت الأولويات، تبدّلت القيم، وانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب. ولم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل أصبح: ما الذي نشاهده؟

هكذا وُلدت “الثقافة السريعة”، التي تسللت إلى أذهان الجيل الجديد حتى صارت المرجع الأول للمعرفة، بينما تراجعت الكتب، وخفت صوت الفكر، وانهزم التأمل أمام موجة ضجيج لا تتوقف.

 

هذه الثقافة لا تُمنح وقتًا للتفكير، ولا فرصة للتمحيص. إنّها ثقافة اللقطات الخاطفة، التي تغري العقول بسهولة وتخطف الانتباه كشرارة، ثم تترك بعدها فراغًا واسعًا لا يملؤه شيء.

ووسط هذا الزخم، سقطت هوية الجيل في فخ التقليد. فبدل أن يبتكر ويتفرد، أصبح يكرر ما يراه، ويركض خلف ما هو “رائج”، دون أن يسأل نفسه: “هل يعبر هذا عني حقًا؟”.

 

إن أخطر ما تصنعه الثقافة السريعة ليس المحتوى السطحي فحسب، بل تحويل الإنسان إلى نسخة مشوهة من الآخرين.

نسخة بلا جذور، بلا ثبات، بلا صوت خاص.

جيل يتقلب في أفكاره كما تتقلب الترندات… ويغير مبادئه كما يغير فلتر الصورة.

جيل فقد البوصلة الداخلية التي تقوده، وسمح لآلة الأضواء أن تحدد له ماذا يحب، كيف يفكر، وماذا يقول.

 

ومع ذلك، ليست المنصات هي المذنبة وحدها. فكل مجتمع يتحمل مسؤولية تراجع قيمه المعرفية. نحن الذين سمحنا للفكر أن ينكمش، وللحوار أن يختفي، وللعمق أن يذوب.

نحن الذين رضينا بأن يصبح معيار النجاح “عدد المشاهدات”، لا عدد الإنجازات… وأن يصبح هدف الإنسان “الظهور”، لا “الجوهر”.

 

لقد تحولت الشهرة اللحظية إلى إدمان جديد، يبحث عنه الكثيرون هربًا من مواجهة الذات. فمن الأسهل أن نصنع ضحكة في 10 ثوانٍ، من أن نبني فكرة تستحق البقاء. ومن الأسهل أن نلهث خلف موجة… من أن نصنع موجتنا الخاصة.

 

ومع كل هذا، لا تزال الفرصة قائمة لعودة الوعي.

فالجيل ليس بحاجة إلى إغلاق المنصات، ولكنه بحاجة إلى “غربلة” ما يتلقّاه. بحاجة إلى تربية ذوقه، وإعادة اكتشاف ذاته، وفهم أن هويته ليست مقطعًا سريعًا، بل قصة طويلة، تُكتب بالعلم والخبرة والقيم والإنجازات.

الجيل بحاجة إلى أن يعرف أن نجاحه الحقيقي لا يولد من ضجة، بل من أثر.

 

إننا أمام لحظة فارقة:

إما أن نتحول إلى مجتمع يُدار بالترندات…

أو مجتمع يقود هو الترندات.

 

وفي النهاية يبقى السؤال الأكبر، السؤال الذي يجب أن يُوجَّه لكل شاب وفتاة:

هل تقود حياتك أنت… أم يقودها المحتوى الذي تشاهده؟

Yaser

Related Posts

سأكتب عنك

بقلم الدكتورة/ أيمان السيد إبراهيم  زقزوق :مصر:- سأكتب عنك آلاف القصائد والأشعار وأعلن حبك في وضح النهار وأسجنك بين ضلوع صدري دون علم أو إشهار سأجعلك طفلي المدلل وتوأم روحي وأخفي رسمك عن الأنظار وأنقش إسمك على جدار قلبي وأجعل كل من يراك يغار وأتوجك سلطان على عرش قلبي وأعزف لك أنشودةعشق وأكتب فيك الاف الأشعار فأنا ولدت بين يديك وتعلمت كيف ينبض القلب ويردد أسمك…

لماذا أنحرف أبناؤنا بعد الانفتاح؟..  قراءة هادئة بعيدًا عن شماعة “التقليد”

  بقلم الدكتورة/ نسرين الطويرقي: مكة المكرمة:- تردد في المجالس التربوية مقولة مؤلمة: “عيالنا انزلقوا لأننا ربيناهم على التقليد لا على الإيمان”. وهي مقولة فيها جزء من الحقيقة، لكنها تُستخدم أحياناً كشماعة نعلّق عليها كل أسباب الانحراف، لنهرب من مواجهة الأسباب الحقيقية المركبة. إن اختزال انحراف الجيل الجديد في “ضعف الإيمان” أو “التربية على التقليد” تبسيط مخل للواقع. فلو كان التقليد وحده سبباً للانحراف، لانحرف كل…

لقد فاتك ذلك

رئيس هيئة الترفيه يعلن موعد عرض برنامج “Million Riyal Menu” بمشاركة 24 متسابقًا

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 11 views
رئيس هيئة الترفيه يعلن موعد عرض برنامج “Million Riyal Menu” بمشاركة 24 متسابقًا

راشد الماجد يتألق في جدة بحفل جماهيري كامل العدد

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 15 views
راشد الماجد يتألق في جدة بحفل جماهيري كامل العدد

سأكتب عنك

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 21 views
سأكتب عنك

لماذا أنحرف أبناؤنا بعد الانفتاح؟..  قراءة هادئة بعيدًا عن شماعة “التقليد”

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 19 views
لماذا أنحرف أبناؤنا بعد الانفتاح؟..   قراءة هادئة بعيدًا عن شماعة “التقليد”

“تهنئة” بمناسبة تعيين الشيخ عبدالمنعم المرشد مديراً لإدارة المساجد بدومة الجندل

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 28 views
“تهنئة” بمناسبة تعيين الشيخ عبدالمنعم المرشد مديراً لإدارة المساجد بدومة الجندل

الشيخ ممدوح الوفوق مديرًا لإدارة شؤون المساجد بفرع الوزارة بالجوف 

  • By
  • أبريل 25, 2026
  • 24 views
الشيخ ممدوح الوفوق مديرًا لإدارة شؤون المساجد بفرع الوزارة بالجوف 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode