بقلم أ. غميص الظهيري:
في زحام الأيام والليالي التي تمضي سريعًا في حياة الإنسان، تأتي ليلة واحدة تحمل قيمة عمرٍ كامل، ليلة جعلها الله أعظم ليالي العام، وجعل فضلها يفوق ما يتخيله العقل. إنها ليلة القدر؛ الليلة التي وصفها الله بأنها خير من ألف شهر، أي أن العبادة فيها تعدل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة. مجرد التفكير في هذا الفضل يجعل القلب يدرك أن هذه الليلة ليست عابرة، بل هي فرصة عظيمة قد لا تتكرر كثيرًا في حياة الإنسان.
في هذه الليلة تتنزّل الملائكة بالرحمة والبركة، ويعمّ السلام والطمأنينة، وتُفتح أبواب السماء للدعاء والتوبة. يشعر المؤمن فيها بقرب خاص من الله، وكأن المسافة بين القلب والسماء أصبحت أقصر من أي وقت آخر. لذلك كانت هذه الليلة محطة إيمانية عظيمة ينتظرها المؤمنون بشوق، لأنها قد تكون اللحظة التي تتبدل فيها الأحوال وتتغير فيها القلوب.
ومن الكنوز العظيمة في ليلة القدر أن يجعلها الإنسان بداية جديدة في حياته. فالإنسان كثيرًا ما ينشغل بأمور الدنيا وينسى أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، يراجع فيها طريقه وأعماله. تأتي ليلة القدر لتكون فرصة لهذه الوقفة؛ لحظة يفتح فيها الإنسان قلبه لربه ويعترف بضعفه ويطلب العون والهداية. كم من إنسان كانت هذه الليلة بداية توبته، وكم من قلب عاد فيها إلى الله ففتح الله له أبواب الخير والطمأنينة.
ومن الكنوز التي ينبغي إدراكها في هذه الليلة أن العبادة فيها لا تقاس بكثرتها فقط، بل بصدقها وخشوعها. قد يصلي الإنسان ركعات قليلة، لكنها مليئة بالإخلاص وحضور القلب، فتكون أعظم أثرًا من ساعات طويلة يؤديها بلا تدبر. قراءة القرآن بتأمل، والاستغفار بصدق، والدعاء الخارج من أعماق القلب، كلها عبادات قد تصنع فرقًا كبيرًا في هذه الليلة المباركة.
ومن الكنوز العظيمة كذلك الدعاء. فليلة القدر هي ليلة الأمل الكبير، ليلة يرفع فيها المؤمن يديه إلى السماء وهو موقن أن الله يسمع ويرى ويجيب. الدعاء في هذه الليلة ليس مجرد كلمات تقال، بل هو حديث صادق بين العبد وربه. يطلب فيه الإنسان الهداية والثبات وراحة القلب، ويسأل الله البركة في عمره وعمله وأهله، ويدعو لمن يحب وللمسلمين جميعًا. كم من دعاء خرج من قلب صادق في هذه الليلة فكان سببًا في تغير حياة كاملة.
وهناك كنز آخر يغفل عنه كثير من الناس، وهو صفاء القلب والتسامح مع الآخرين. فالقلب الذي يحمل الضغائن قد يثقل صاحبه ويحرمه لذة الطمأنينة. لذلك فإن من أجمل ما يفعله الإنسان في هذه الليلة أن يعفو عمّن أساء إليه، وأن يطهّر قلبه من الأحقاد، طمعًا في عفو الله ورحمته. فكما يرجو الإنسان أن يعفو الله عنه، فمن الجميل أن يعفو هو أيضًا عن الناس.
ومن الكنوز التي تضاعف الأجر في ليلة القدر فعل الخير والصدقة. فقد تكون صدقة صغيرة في هذه الليلة أعظم أجرًا مما يتصور الإنسان، لأن العمل فيها مضاعف. إطعام محتاج، مساعدة فقير، نشر كلمة طيبة أو علم نافع، كلها أعمال بسيطة لكنها قد تكون سببًا في رفعة الدرجات ومغفرة الذنوب.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى دعاء عظيم يقال في هذه الليلة، حين سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ماذا تقول إن أدركت ليلة القدر، فقال لها: **”اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني.”** وهو دعاء يحمل معنى عظيمًا، لأنه طلب للعفو الذي يمحو الذنوب ويزيل آثارها.
إن ليلة القدر ليست مجرد ليلة تمر في التقويم كل عام، بل هي هدية ربانية عظيمة يمنحها الله لعباده. قد تكون هذه الليلة لحظة توبة صادقة، أو بداية طريق جديد مليء بالخير، أو ساعة استجابة يفتح الله بها أبواب الفرج والسعادة. لذلك فإن من الحكمة ألا يدع الإنسان هذه الليلة تمر كغيرها من الليالي، بل يجعلها ليلة خاشعة صادقة بينه وبين ربه، ليلة يملؤها الدعاء والرجاء واليقين بأن فضل الله أعظم من كل الذنوب، وأن رحمته أوسع من كل التقصير.









