وداعًا معلم الأجيال.. عاش بساطة الروح ورحل بعظمة الأثر

 

اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي

في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات وتتبدل الملامح، يظل هناك رجالٌ هم “البوصلة” التي لا تخطئ، والشهود الصادقون على زمن النقاء والإخلاص. من بين هؤلاء، يبرز اسم المعلم عبدالعالي العريفي الحارثي الذي صاغ من بيئةٍ “الزمن الجميل” سيرةً عطرة؛ رجلٌ عاش في كنف البساطة، ورحل في ثوب العظمة، تاركاً خلفه إرثاً لا يمحوه غياب، وذكراً لا يطويه نسيان.

البدايات.. من القرية إلى دار التوحيد

تربى الفقيد في أحضان قرية العرائف، هناك حيث تتشكل الشخصية على قيم الفطرة السليمة والصدق. استقى مبادئه الأولى من مدرستها الابتدائية، قبل أن تنضج تجربته في دار التوحيد بالطائف منارة العلم والأدب ثم صقل موهبته التربوية في معهد المعلمين بجدة. عاد من رحلته العلمية لا يحمل شهادة فحسب، بل يحمل “رسالة” مقدسة آمن بها حتى الرمق الأخير.

محراب التعليم.. ثلاثون عاماً من بناء الإنسا

لم تكن مسيرته مجرد وظيفة يؤديها، بل كانت رحلة بناءٍ للبشر:

البداية: كانت من مدرسة سايه بالكامل، حيث وضع لبناته الأولى.

العودة للجذور: عاد لخدمة أهله في قرية العرائف وفاءً للمكان الذي أنبته.

المحطة الذهبية: استقر لأكثر من ثلاثين عاماً في مدرسة الفاروق المتوسطة بالطائف.

في مدرسة الفاروق، لم يكن الفقيد مجرد معلم للمادة، بل كان “أباً” يربي بالقدوة قبل الكلمة. عُرف بهيبةٍ لا تحتاج لصراخ، ووقارٍ يُجبر الجميع على الاحترام. كان يغرس القيم في الوجدان كما يغرس الحروف في العقول، مخلصاً في أدائه، عفيف النفس، سمح الطباع، لم يمرّ في حياة أحد إلا وترك فيها زهرة من الخلق الرفيع.

التقاعد والرحيل.. سيرةٌ تأبى الغياب

حين ترجل عن صهوة العمل الرسمي عام 1420هـ، لم يتوقف عطاؤه؛ فالغرس الذي زرعه في طلابه اصبح أشجاراً مثمرة تملأ أرجاء الوطن.

وجاء الوداع في شهر رمضان المبارك، ليكون مسك الختام في أطهر الأوقات، وكأن حظه أراد أن يكافئه على نقاء سريرته برحيلٍ هادئ يليق بوقاره. رحل جسداً، وبقي سيرةً تُحكى، ونهجاً يُحتذى به في الطيبة والعمل النظيف.

رسالة إلى أبنائه الكرام

عزاؤنا لكم أن والدكم لم يرحل؛ فكل رجلٍ صالحٍ في هذا المجتمع تعلم على يديه هو “ابنٌ” يحمل ذكره. لا تحزنوا، فالفخر يحيط بكم من كل جانب، كيف لا وأنتم أبناء عبدالعالي الذي عاش متعالياً عن الصغائر، بسيطاً في دنياه، عظيماً في رسالته. لقد ترك لكم أغلى ما يورث: السمعة الطيبة والدعوات الصادقة.

“رحم الله روحاً لم يكن بينها وبين الخير حجاب، وجعل الفردوس الأعلى مستقراً لها.”

صدى نيوز اس 1

Related Posts

وطني يفوقُ قصيدتي

  بقلم: أحمد علي بكري يا موطني، يا موطنَ العزِّ الذي فيه المكارمُ أشرقتْ ببلادي في يومِ عيدِك أستعيدُ مشاعري وأصوغُ من نبضي عظيمَ ودادي وأحاولُ أن أجودَ بما طرى من مهجةٍ، ومن الشعورِ الوقاد فإذا المداد أمامَ حبِّك عاجزٌ وإذا البيانُ يضيقُ عن مرادي ما الشعرُ إلا قبسةٌ من روعةٍ والحبُّ أوسعُ من جميعِ مدادي فيك التوحيدُ أساسُ مجدٍ راسخٍ وبهِ علتْ راياتُنا في كلِّ…

مذكرات رجل مشاغب

  الولد الشقي سابقًا الفصل الثاني السندريلا العراقية وعلي بعد تلك الحادثة، انتظرت أن يأتي اتصال من السندريلا العراقية، هكذا أسميتها في ذاكرتي، ولا تسألوني لماذا اخترت لها هذا الاسم؛ فالحكواتي أحيانًا يمنح أبطال حكاياته أسماء لا تخطر على بال أحد! انتظرت طويلًا، لكنني لم أجد لها أثرًا. ولم أكن أريد أن أبادر بالاتصال بها، فلدي قاعدة أساسية في تعاملي مع الناس، على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم:…

لقد فاتك ذلك

جامعة الملك عبدالعزيز تشارك في «منتدى الصناعة السعودي 2026».. وتدشن «المجتمع الصناعي»

جامعة الملك عبدالعزيز تشارك في «منتدى الصناعة السعودي 2026».. وتدشن «المجتمع الصناعي»

جامعة الملك عبدالعزيز تشارك في مؤتمر دولي حول التراث الثقافي الإسلامي في أوزبكستان

جامعة الملك عبدالعزيز تشارك في مؤتمر دولي حول التراث الثقافي الإسلامي في أوزبكستان

انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح بصلالة بمشاركة 15 عرضًا مسرحيًا.

انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح بصلالة بمشاركة 15 عرضًا مسرحيًا.

وطني يفوقُ قصيدتي

وطني يفوقُ قصيدتي

مذكرات رجل مشاغب

مذكرات رجل مشاغب

ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك/ سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

ذكرى البيعة الثانية عشرة لخادم الحرمين الشريفين الملك/ سلمان بن عبدالعزيز آل سعود

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode