حين تتحول التجارب الى احكام فاتركوا للناس حق الاكتشاف

 

ايمان المغربي – جدة

يلفت انتباهي احيانا بعض ما ينشر من كتابات او خواطر او تجارب شخصية تنتهي بصيغة التحذير من الناس او من التعامل مع فئة معينة من الاشخاص وكأن ما مر به صاحبها من تجربة واحدة او عدة تجارب اصبح معيار ينظر من خلاله الى الجميع

والواقع ان التجربة مهما كانت مؤلمة او قاسية تبقى تجربة خاصة بصاحبها ومن الاجمل ان تروى على انها درس تعلمناه او موقف مررنا به لا على انها حكم يفرض على الاخرين او عدسة ينظر من خلالها الى الناس جميعا

قل مررت بتجربة علمتني كذا او علمتني الحياة كذا واترك للاخرين مساحة الاكتشاف والتعلم وتكوين قناعاتهم بانفسهم فليس بالضرورة ان تكون نتائج تعاملهم مشابهة لنتائج تعاملك فلكل انسان طريقته وظروفه ونظرته للحياة ولكل علاقة تفاصيلها التي لا تتكرر بالصورة نفسها مع الاخرين

وقبل ان نحمل الاخرين كامل المسؤولية من الانصاف ان نسال انفسنا هل كان لنا دور فيما حدث فنحن بشر نخطئ ونصيب ولسنا ملائكة وقد علمتني الحياة ان لكل فعل رد فعل وان كثيرا من المواقف لا تفهم من زاوية واحدة وان الحقيقة غالبا اكبر من الرواية التي نحملها في ذاكرتنا

وان ادت ان تشارك تجربة مررت بها فشاركها كقصة او درس او عبرة دون ان تجعل منها راية تحذير ترفع في وجه الاخرين دع الناس تخوض تجاربها وتتعلم من ايامها وتبني فهمها الخاص للحياة فبعض الدروس لا تمنحها الكلمات مهما كانت صادقة بل تمنحها الايام حين يعيشها الانسان بنفسه

وليس من الضروري ان نغوص في اعماق كل شخص حتى نعرف حقيقته فبعض النيات تكشفها المواقف البسيطة وكثير من الطباع تظهرها الكلمات والتصرفات مع مرور الوقت ومن رحمة الله عز وجل ان الحقائق لا تبقى مخفية الى الابد بل يكشفها سبحانه وتعالى في الوقت المناسب

كما ان الحذر شيء وقطع العلاقات شيء اخر فالحياة قد تضعنا يوما ما في مواقف نجبر فيها على التعامل مع اشخاص لم تكن بيننا وبينهم افضل التجارب وهذه من سنن الحياة التي لا مفر منها لذلك تبقى الحكمة في معرفة الحدود لا في اغلاق جميع الابواب وفي حفظ الكرامة لا في بناء الجدران

ولا يعني ذلك ان نهمل التجارب او نتجاهل ما نتعلمه منها فالحذر مطلوب وقد ارشدنا النبي صلى الله عليه وسلم الى ذلك بقوله لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فالعاقل يتعلم من مواقفه ويستفيد من خبراته لكنه لا يجعلها سببا للحكم على جميع الناس او اغلاق ابواب الحياة في وجهه فهناك فرق بين الحذر وبين التعميم وبين حفظ الحدود وبين فقدان الثقة بالجميع

كما ان بعض التجارب تحمل فوائد تستحق ان تنقل للناس لينتفعوا بها لكن المقصود هو عرضها على انها تجربة او نصيحة او درس لا على انها حقيقة مطلقة تنطبق على كل انسان وفي كل زمان ومكان

الدنيا ما زالت بخير والناس يولدون على الفطرة السليمة لكن المواقف والظروف والتجارب قد تترك اثارها على النفوس لذلك لا تجعل تجربتك حاجز يمنع الاخرين من خوض فرهم الخاصة فربما كانت نهاياتهم اجمل من بداياتك وربما وجدوا في الطريق ذاته ما لم تجده انت وربما كان ما تراه انت بابا للاذى عندك وبابا للخير عند غيرك

ان اخطر ما تفعله التجارب المؤلمة انها لا تؤلم اصحابها فقط بل قد تدفع بعضهم الى توزيع الالم على الاخرين في صورة تحذيرات واحكام وتصنيفات بينما الحياة اوسع من تجربة واحدة والناس اعمق من موقف واحد والقلوب تتغير والظروف تتبدل والاقدار لا تسير على وتيرة واحدة

ليست المشكلة في ان نروي تجاربنا بل في ان نطالب الاخرين بان يعيشوا الحياة وفق نتائجها فالتجارب تحترم ويستفاد منها لكنها لا تملك الحق في ان تصادر اختيارات الاخرين او ان ترسم لهم الطريق الذي يجب ان يسلكوه

فدعوا الحياة تعلم الناس كما علمتكم ودعوا الايام تكشف لهم ما كشفته لكم فليس من العدل ان نحكم على مستقبل الاخرين بذكرياتنا ولا ان نحرمهم من الامل بسبب خيباتنا فلكل انسان قصة يكتبها الله له ولكل طريق اسراره ولكل لقاء حكمته ولكل تجربة رسالتها التي قد لا تتكرر مع احد سواه وما يكتبه الله لعباده اعظم من ان تختصره تجربة واحدة فلكل انسان قدره ولكل طريق حكايته ولكل تجربة معناها الذي لا يشبه سواه وما يقدره الله للناس لا تصنعه توقعاتنا ولا تحده تجاربنا

صدى نيوز اس 1

Related Posts

سدنة الافتراض

دكتور/ حسن الأمير شهدت الساحات الثقافية في الآونة الأخيرة تحولاً رقمياً لافتاً بيد أنه تحول حمل في طياته الكثير من التشوهات التي طالت أقدس ما تملكه الأمم تاريخها وأصالة تراثها وعمق موروثها……… فبين ليلة وضحاها تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “محاكم تاريخية” ومنابر معرفية نصب فيها بعض العابرين أنفسهم علماء ومؤرخين يوزعون صكوك الأصالة ويصيغون روايات التاريخ وفقاً ل “أهواء الخوارزميات” ورغبة حصد الإعجابات……….. إن هذا…

فهد بن محمد نقلت رسالتي الفنية من المسرح إلى السوشيال ميديا بنجاح 

  د.منصور نظام الدين: مكة المكرمة قال المغرد فهد بن محمد: انه نقل عشقه للفن والمسرح الى عالم السوشيال ميديا الذي وجد فيه رحابه لتقديم كل أنواع العطاء الفني وتحقيق الرسالة الاجتماعية والتواصل مع شريحه كبيرة من المجتمع عبربثوث ومقاطع تحمل مضامين مختلفة. ويروي فهد أن بدايته مع المنصات الرقمية لم تكن بدافع الترفيه أو الانتشار، بل جاءت نتيجة مرحلة صعبة مرّ بها في عام 2014…

لقد فاتك ذلك

لقاء تفاعلي يناقش «الاختطاف الرقمي للعقل والوعي

لقاء تفاعلي يناقش «الاختطاف الرقمي للعقل والوعي

جمعية وقار تنفذ مبادرة «بأيديهم نصنع أثرًا» مع كبار السن

جمعية وقار تنفذ مبادرة «بأيديهم نصنع أثرًا» مع كبار السن

أغلى هدايا البِر.. الشهراني يهدي والده الحياة ويُتوّج بالوسام 

أغلى هدايا البِر.. الشهراني يهدي والده الحياة ويُتوّج بالوسام 

سدنة الافتراض

سدنة الافتراض

تشماييف الإماراتي يهزم وودلي في 94 ثانية ويتألق في «RAF موسكو»

تشماييف الإماراتي يهزم وودلي في 94 ثانية ويتألق في «RAF موسكو»

فهد بن محمد نقلت رسالتي الفنية من المسرح إلى السوشيال ميديا بنجاح 

فهد بن محمد نقلت رسالتي الفنية من المسرح إلى السوشيال ميديا بنجاح 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode