محمد الرياني
في منتصف الجدار الغربي لغرفتنا الصغيرة يوجد رفٌّ خشبي قديم ، وعلى هذا الرفِّ أشياء قديمة غير مستهلكة ، ومن أجملِ ما في هذا الرفِّ جمالُ لونِ خشبه الأصيل ؛ ربما جيء به من خشبٍ نادر ، أو ربما لا يتوفر اليوم ، فكنتُ أنظر إليه بإعجابٍ وأزيل عنه الغبار كي لا أفقد متعةَ النظر إليه ، أما هو فهو جامدٌ كسائر الجوامد لا يشعر بجماله .
كان الجوُّ حولَ غرفتنا رائعًا ، وغبارُ موسمِ الأمطار يتكوَّنُ جهةَ الشرق ، والبرقُ يلمع في السماء ودويُّ الرعدِ يكاد يقترب من الأرض بصوته القوي ، عند ذلك قالت لي جدتي : ارتقِ إلى الرفِّ وابحث عن بضعِ هللاتٍ واذهب إلى الدكان واشتر لك بسكويتًا .
استغربتُ وهل على هذا الرفِّ العتيقِ هللات ؟
بالفعل صعدتُ على كرسيٍّ خشبيٍّ حمرٌ لون قوائمه ثم وضعتُ كفي الصغيرةَ أتحسسُ موضعَ الهللاتِ بين الترابِ القديم .
نادتْ عليَّ بعدما تأخرتُ في البحث ، لقد تأخرتَ فالرفُّ صغيرٌ والهللاتُ لايتجاوزُ عددها ثلاث !
أخيرًا لمستْ أصابعي قطعةً ثم الأخرى ، قلتَ لها: لم أجد سوى اثنتين ، قالت: تأكد .
تأكدتُ فوجدتُ الثالثة .
قالت تعال.
عدتُ إليها وعلى طرفِ إبهامي قطراتٌ من الدم ، ولونُ إصبعي الأصفر يجعل الدمَّ واضحًا .
أمسكتْ بكفي تقبِّلُها وتمسحُ موضعَ الدمِ ويبدو أن نتواءاتِ الخشبِ القديمِ قد أصابتْ إصبعي وحلبتْ منها بعضَ الدم .
نظرتُ إلى القروشِ التي تسميها جَدَّتي هللاتٍ وقد اسودَّتْ من القِدمِ وقالت هذه لك .
خرجتْ من عندها والسماءُ لم تزل تمطر والغبارُ قد تفرَّقَ من السماء .
ذهبتُ إلى الدكان واشتريتُ بسكويتًا مكوَّنًا من أربعِ حباتٍ والجوُّ في غايةِ الروعةِ ولم أتأخر في إزالةِ الغلاف .
غرقتْ حباتُ البسكويتِ من المطرِ فالتهمتُه مبلولًا حبةً بعد حبةٍ وعليه ماءُ المطر .
عدتُ إلى جدتي فقبَّلتُها وعلى فمي آثارُ البسكويتِ ورائحةُ المطر .






