الرئيسية مقالات غدر الجار لإرضاء الكيان المكار

غدر الجار لإرضاء الكيان المكار

36
0

بقلم : كمال فليج _ الجزائر

ليس غدرُ الجار مجرّد انحرافٍ في المواقف، بل خيارٌ سياسيّ واعٍ، تتّخذه بعض الأطراف حين تفضّل إرضاء قوى ماكرة وبعيدة، على حساب الجغرافيا والتاريخ وروابط المصير المشترك. في مثل هذه الحالات، لا يكون الخاسر طرفًا واحدًا، بل تخسر المنطقة بأكملها استقرارها وثقتها بنفسها.

يبدأ الغدر حين يستبدل الجار منطق حسن الجوار بمنطق الوكالة. يتخلّى عن الحوار، ويستقوي بالخارج، ظنًّا منه أن الاحتماء بالمكار يمنحه نفوذًا أو حماية دائمة. غير أنّ التجارب تثبت عكس ذلك؛ فالقوى الماكرة لا تعرف صداقة ولا تحترم عهدًا، بل توظّف الخلافات لخدمة مصالحها، ثم تنسحب تاركة الخراب خلفها.

الشعوب هي أوّل من يدفع الثمن. تتوتّر العلاقات، وتُغلق أبواب التعاون، وتتعطّل المصالح الاقتصادية، ويتحوّل الخلاف السياسي إلى قطيعة اجتماعية وثقافية. في المقابل، يحصد المكار الأرباح: يوسّع نفوذه، يفرض شروطه، ويبيع الوهم تحت مسمّى الشراكة أو الحماية.

الأخطر من ذلك أنّ غدر الجار يزرع الشك داخل البيت الإقليمي الواحد. تنهار الثقة، وتتراكم الأحقاد، وتصبح إعادة بناء العلاقات أكثر صعوبة. فالتاريخ لا يُمحى بسهولة، والذاكرة الجماعية لا تنسى من اختار الطعن بدل المصافحة.

لقد علّمنا التاريخ أن الرهان على الخارج ضد الجوار رهانٌ خاسر. فالمكار يغيّر مواقعه وتحالفاته حسب المصلحة، ولا يتردّد في التخلّي عن وكلائه عند أول منعطف. أما الجار، مهما اختلفت معه، فيبقى حاضرًا في الجغرافيا، ثابتًا في المعادلة.

إنّ الطريق الآمن يمرّ عبر العودة إلى منطق العقل والمسؤولية: حوار صريح، احترام متبادل، وتغليب المصالح المشتركة على حساب الإملاءات الخارجية. فغدر الجار قد يرضي المكار مؤقتًا، لكنه يخلّف جراحًا عميقة، بينما حسن الجوار يظلّ الخيار الوحيد القادر على حماية الشعوب وبناء مستقبل مستقر.