غدر الجار لإرضاء الكيان المكار

بقلم : كمال فليج _ الجزائر

ليس غدرُ الجار مجرّد انحرافٍ في المواقف، بل خيارٌ سياسيّ واعٍ، تتّخذه بعض الأطراف حين تفضّل إرضاء قوى ماكرة وبعيدة، على حساب الجغرافيا والتاريخ وروابط المصير المشترك. في مثل هذه الحالات، لا يكون الخاسر طرفًا واحدًا، بل تخسر المنطقة بأكملها استقرارها وثقتها بنفسها.

يبدأ الغدر حين يستبدل الجار منطق حسن الجوار بمنطق الوكالة. يتخلّى عن الحوار، ويستقوي بالخارج، ظنًّا منه أن الاحتماء بالمكار يمنحه نفوذًا أو حماية دائمة. غير أنّ التجارب تثبت عكس ذلك؛ فالقوى الماكرة لا تعرف صداقة ولا تحترم عهدًا، بل توظّف الخلافات لخدمة مصالحها، ثم تنسحب تاركة الخراب خلفها.

الشعوب هي أوّل من يدفع الثمن. تتوتّر العلاقات، وتُغلق أبواب التعاون، وتتعطّل المصالح الاقتصادية، ويتحوّل الخلاف السياسي إلى قطيعة اجتماعية وثقافية. في المقابل، يحصد المكار الأرباح: يوسّع نفوذه، يفرض شروطه، ويبيع الوهم تحت مسمّى الشراكة أو الحماية.

الأخطر من ذلك أنّ غدر الجار يزرع الشك داخل البيت الإقليمي الواحد. تنهار الثقة، وتتراكم الأحقاد، وتصبح إعادة بناء العلاقات أكثر صعوبة. فالتاريخ لا يُمحى بسهولة، والذاكرة الجماعية لا تنسى من اختار الطعن بدل المصافحة.

لقد علّمنا التاريخ أن الرهان على الخارج ضد الجوار رهانٌ خاسر. فالمكار يغيّر مواقعه وتحالفاته حسب المصلحة، ولا يتردّد في التخلّي عن وكلائه عند أول منعطف. أما الجار، مهما اختلفت معه، فيبقى حاضرًا في الجغرافيا، ثابتًا في المعادلة.

إنّ الطريق الآمن يمرّ عبر العودة إلى منطق العقل والمسؤولية: حوار صريح، احترام متبادل، وتغليب المصالح المشتركة على حساب الإملاءات الخارجية. فغدر الجار قد يرضي المكار مؤقتًا، لكنه يخلّف جراحًا عميقة، بينما حسن الجوار يظلّ الخيار الوحيد القادر على حماية الشعوب وبناء مستقبل مستقر.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

معادن الناس.. بين لهيب الهجير وفيء الوفاء

ا. محمد باجعفر ​”بعض الناس وقفتك معاهم مثل وقفتك في لهيب الشمس الحارقة؛ ما تكسب منهم غير سواد البشرة وحرقة الوجه والجسد والإصابة بضربة شمس، وفيه ناس وقفتك معاهم تكسب ثناءً حسنًا، وحمدًا، وشكرًا، ووفاءً.” ​الحياة مسرح تجارب، والمواقف هي المصفاة الكبرى التي تسقط منها القشور وتبقى جوهر المعادن. وحين نتأمل في خريطة العلاقات الإنسانية، نجد أن العطاء البشري لا يقاس بذاته، بل يُقاس بمن تمنحه…

الوطن.. مهبُّ العِزّةِ وموئِلُ الشُّموخ 

  بقلم الدكتور / خالد عمر محمد العمودى :جدة:- إنَّ اليَوْمَ الوَطَنِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرى تُستَعاد، بَل هُوَ وَثِيقَةُ وَفاءٍ نُجَدِّدُها بِالفَخْرِ وَالاِعْتِزاز؛ لِنَقِفَ أَمامَ العالَمِ بأَكْمَلِهِ، نَحْمِلُ رُؤيَتَنا ونَسنَدُ قِيادَتَنا وَنَأْوي إلى حِصْنٍ مَنِيعٍ يَستَظِلُّ بِهِ الحَقُّ … وَتَعْلُو فِيهِ رايَةُ التَّوحِيدِ شامِخَةً لا تُنَكَّس. دُمْتَ يا وَطَنِي مَنارَةً لِلعِزِّ وَمَوطِنًا لِلأَمْنِ وَفَخْرًا يَتَسامَى بَيْنَ الأُمَمِ عامًا بَعْدَ عام. على جَبينِ التاريخِ خُطَّت حِكايتُنا وفي…

لقد فاتك ذلك

(فهم الاختلاف لصناعة الائتلاف).. أمسية ثقافية تستكشف طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة

(فهم الاختلاف لصناعة الائتلاف).. أمسية ثقافية تستكشف طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة

الشيخ مشبب بن هادي آل وعلة.. سيرة عطاء وحضور اجتماعي مشرف

الشيخ مشبب بن هادي آل وعلة.. سيرة عطاء وحضور اجتماعي مشرف

الحمد لله على سلامة أمير منطقة عسير

الحمد لله على سلامة أمير منطقة عسير

الأهلي يحتفظ بالرقم القياسي لأطول سلسلة دون خسارة في دوري المحترفين

الأهلي يحتفظ بالرقم القياسي لأطول سلسلة دون خسارة في دوري المحترفين

(فهم الاختلاف لصناعة الائتلاف).. أمسية ثقافية تستكشف طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة

(فهم الاختلاف لصناعة الائتلاف).. أمسية ثقافية تستكشف طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة

الجزائر تدعو إلى تغليب الحلول السياسية والحوار لمعالجة أزمات المنطقة العربية وصون سيادتها

الجزائر تدعو إلى تغليب الحلول السياسية والحوار لمعالجة أزمات المنطقة العربية وصون سيادتها

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode