ريم الزهراني
في أزمنة كثيرة لا يكون الحدث هو ما نراه أو نسمعه، بل ما يتغيّر في الداخل بهدوء. تمرّ الوقائع أمام الجميع، لكن أثرها لا يستقر إلا في من امتلك القدرة على الفهم لا مجرد المتابعة. فليس كل ما يحدث يُحدث تحولًا، وليس كل تحول يحتاج ضجيجًا ليُثبت وجوده.
هناك لحظات لا تُسجَّل في الذاكرة العامة، ولا تُروى في المجالس، لكنها تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل. لحظات يدرك فيها معنى كان غائبًا، أو يرى حقيقة لم يكن مستعدًا لرؤيتها من قبل. لا شيء يبدو مختلفًا في الخارج، لكن الداخل يكون قد تغيّر تمامًا، وكأن زاوية النظر أُعيد ضبطها دون إعلان.
هذا النوع من الوعي لا يأتي دفعة واحدة، ولا يولد من فراغ. هو حصيلة تجارب طويلة، وأسئلة مؤجلة، ومواقف لم تُفهم في وقتها، ثم عاد معناها لاحقًا بشكل أوضح. لذلك لا يمكن اختزاله في العمر أو التجربة الظاهرة، لأن بعض الناس يمرّون بالكثير دون أن يروا، بينما يرى آخرون من أول شرخ.
حين ينضج الوعي، يقل الاندفاع، لا ضعفًا بل اتزانًا. يصبح الإنسان أكثر انتقاءً لما يمنحه اهتمامه، وأدق في اختيار معاركه، وأهدأ في ردوده. لا يعود بحاجة لإثبات نفسه في كل موقف، ولا للدفاع عن رأيه في كل نقاش، لأن الفهم العميق يمنحه ثقة لا تحتاج إلى صخب.
الوعي الحقيقي لا يجعل الإنسان متفرجًا سلبيًا، بل حاضرًا بعمق. يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، متى يقترب ومتى يبتعد، ويدرك أن بعض المسافات حماية لا انسحاب. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل ما يُعرض يستحق الانشغال.
وكما الأفراد، تمرّ المجتمعات بالأحداث ذاتها، لكن الفارق لا تصنعه كثرتها، بل طريقة استقبالها. فالمجتمع الذي يواجه الوقائع بانفعال دائم، يبقى أسير اللحظة، بينما المجتمع الذي يتعامل معها بوعي، يملك فرصة حقيقية للنضج والاستمرار. لأن ما لا يُفهم جيدًا، لا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل متماسك.
ربما لهذا السبب، يمرّ كثير من الأحداث الكبيرة دون أثر طويل، بينما تترك لحظة فهم واحدة أثرًا لا يُمحى. لأن ما يُبنى على الوعي يدوم، وما يُبنى على الانفعال يتلاشى سريعًا.
في النهاية، ليس المطلوب أن نكون دائمًا في قلب ما يحدث، ولا أن نحمل رأيًا في كل قضية، بل أن نكون صادقين في فهمنا، حاضرين في وعينا، منتبهين لما يُشكّلنا من الداخل. فحين يتغيّر الوعي، يصبح هو الحدث، حتى لو مرّ بصمت.






