مقال فلسفي–أخلاقي عن المعنى
بقلم: أحمد علي بكري
حكمة من عباراتي قلت فيها :«أقبحُ الوجوهِ وجهٌ يُصافحك بكفٍّ دافئة، ويطعنُك بقلبٍ بارد؛ فذلك عدوٌّ تدرّب على المحبّة حتى أتقن الخيانة.»
لم يكن القبح، في أي مرحلة من مراحل الوعي الإنساني العميق، صفةً تُقاس بما تراه العين أو بما تحفظه الذاكرة من ملامح، بل كان دائمًا حكمًا أخلاقيًا يصدره العقل حين يكتشف التناقض الفجّ بين ما يُقال وما يُضمر، وبين ما يُظهره الإنسان للآخرين وما يخفيه في طبقاته الداخلية المعتمة، حيث تتراكم الرغبات المريضة والحسابات الأنانية والأحقاد التي لم تجد لها متنفسًا سوى التخفّي خلف أقنعة الفضيلة.
ولذلك لم يكن العربي القديم، وهو ابن بيئةٍ قاسية تعرف معنى المواجهة المباشرة، يهاب السيف بقدر ما كان يهاب الغدر، لأن السيف – مهما بلغ بطشه – يظل أداةً معلنة، تُشهر في العلن، وتُقابل بالحذر والاستعداد، أما الغدر فهو فعل جبان يتغذّى على الثقة، ويتسلّل من ثغرات الطمأنينة، ويضرب في اللحظة التي يخلع فيها الإنسان درعه ظنًا منه أن الخطر قد زال، أو أنه لم يكن موجودًا من الأساس.
إن العدوّ المعلن، على قسوته، يظل مفهومًا ضمن منطق الصراع، أما ذاك الذي يتقدّم نحوك بلغة الودّ، ويغلف نواياه بابتسامة دافئة، ويُكثر من إشارات القرب والانتماء، فإنه لا يهدد جسدك فقط، بل يهدد بنيتك الأخلاقية من الداخل، لأنه يجبرك – بعد سقوطه – على إعادة النظر في أبسط المسلّمات الإنسانية، كالثقة، والنية الحسنة، ومعنى الصداقة، وحدود القرب.
وهنا تحديدًا تتحوّل الخيانة من فعل فردي معزول إلى ظاهرة أخلاقية عميقة، لا تحدث صدفة ولا تولد في لحظة ضعف عابرة، بل تنمو ببطء داخل النفس، وتتغذّى على ممارسة يومية للكذب الصغير، والمجاملة المزيّفة، والتواطؤ الصامت مع الذات، حتى يصبح التمثيل عادة، ويغدو ارتداء الأقنعة مهارة لا يشعر صاحبها بثقلها ولا بتناقضها، لأنه تعلّم منذ زمن بعيد كيف يفصل بين ما يقوله وما يؤمن به، وبين ما يُظهره وما يريده فعلًا.
هذا الصنف من البشر لا يستيقظ صباحًا ليقرر أن يكون خائنًا، بل يستيقظ وهو مقتنع بأنه ذكي، مرن، قادر على التكيّف، وأن الأخلاق – في نهاية الأمر – مجرد أدوات يمكن استخدامها أو تجاوزها بحسب المصلحة، وهنا يحدث الانزلاق الأكبر، حين تتحوّل القيم من مبادئ ثابتة إلى أوراق تفاوض، وحين يصبح الصدق عبئًا، والاستقامة سذاجة، والوفاء قيدًا لا ضرورة له.
ولعل أخطر ما في الخيانة أنها لا تكتفي بإيذاء الضحية، بل تُفسد اللغة ذاتها، لأن الكلمات التي كانت تحمل معاني نبيلة – كالحب، والوقوف إلى جانبك، والنية الطيبة – تفقد براءتها بعد الطعنة، وتتحوّل إلى إشارات مشبوهة، لا تُستقبل بالثقة بل بالحذر، فيجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى الشك فيما كان يومًا بديهيًا، وإلى تفكيك كل خطاب ودّي بحثًا عن نية خفية أو مصلحة مؤجلة.
ومن هنا نفهم لماذا كان الحكماء يربطون القبح بالأخلاق لا بالملامح، لأن الوجه – مهما بدا جميلًا – قد يكون مجرد واجهة متقنة تخفي وراءها مستنقعًا من الحسد والغلّ والرغبة في الإقصاء، ولأن اللسان – مهما بدا معسولًا – قد يكون أداة قتل بطيء، لا يهاجم مباشرة، بل يزرع السمّ قطرة قطرة، حتى ينهار الجسد الأخلاقي للثقة دون أن يدرك المصاب متى بدأ النزيف.
إن الحقد، حين يرتدي ثوب الحب، لا يكون أكثر فتكًا فقط، بل يكون أكثر إرباكًا، لأنه يضع الضحية في صراع داخلي بين ما تشعر به وما تراه، بين الإشارات المتناقضة التي تستنزف العقل قبل القلب، فيتحوّل الإنسان إلى كائن متردد، يشك في حدسه، ويعيد تأويل الوقائع لصالح الآخر، حتى تقع الطعنة في لحظة استسلام ذهني كامل.
ولهذا لا يكون العتب، بعد الخيانة، فعلًا مجديًا، لأن العتب يفترض وجود خطأ يمكن إصلاحه، أو وعي يمكن إيقاظه، بينما الخيانة – في جوهرها – نتيجة لمسار طويل من التزييف الذاتي، لا لانحراف عابر، ومن يتقن التمثيل فترة طويلة لا يسقط قناعه بسبب عتاب، بل بسبب انكشاف لا يمكن إنكاره.
والحقيقة المؤلمة التي لا بد من قولها هي أن من لم يصادقك بصدق، لن يعاديك بشرف، لأن الشرف يفترض وضوحًا، والخائن كائن يعيش على الالتباس، ويتغذّى على المناطق الرمادية، ويكره المواجهة لأنها تفضح هشاشته الأخلاقية، ولهذا يفضّل الضرب من الخلف، والانسحاب بصمت، وتركك تواجه الأسئلة وحدك.
ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي بعد الخيانة ليس في كشف الآخر، بل في الحفاظ على الذات من التحوّل إلى نسخة مشوّهة مما كرهته، لأن أعظم انتصار للخائن ليس أن يؤذيك، بل أن يسرق منك قدرتك على الثقة، وأن يجعلك تشبهه في الحذر المفرط، أو القسوة، أو سوء الظن الشامل، وهنا تحديدًا يصبح التمسك بالأخلاق فعل مقاومة، لا سذاجة، واختيارًا واعيًا لا ضعفًا.
فالقبح الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس أن تُطعَن، بل أن تفقد إيمانك بأن الصدق ما زال ممكنًا، وأن المعنى ما زال يستحق أن يُعاش، رغم كل الوجوه التي تعلّمت كيف تبتسم وهي تُخفي الخنجر.






