الرئيسية مقالات حين يتمسّك بك من يعرف حقيقتك

حين يتمسّك بك من يعرف حقيقتك

66
0

 

بقلم: أحمد علي بكري

ليس من السهل أن يبقى إنسان في حياتك وهو يرى ما تحاول أنت تجاهله في نفسك. أن يبقى رغم أنه لمس الأذى، وفهم النوايا الملتوية، وقرأ ما بين الكلمات، وشهد لحظات التناقض التي كنت تظن أنها تمرّ دون أن تُلاحظ. الأصعب من ذلك أن يبقى دون أن يبتزك بمعرفته، أو يشهّر بك، أو يجعل من أخطائك سلاحًا يلوّح به كلما اختلفتما. هذا النوع من البشر لا يعيش على الهامش، ولا يأتي صدفة، ولا يمكن اختزاله في صفة الطيبة الساذجة كما يحلو للبعض أن يصفه هربًا من مواجهة الحقيقة.

في العادة، حين نؤذي الآخرين، نُقنع أنفسنا بأنهم لا يفهمون، أو أنهم يتجاوزون لأنهم لا يدركون حجم ما نفعل. لكن الحقيقة أكثر قسوة: بعضهم يفهم كل شيء، ويختار الصمت لا لأن الصمت راحة، بل لأن المواجهة المستمرة تستنزف ما تبقى من العلاقة. هؤلاء لا يُصلحون الجو لأنهم عاجزون عن القطيعة، بل لأنهم يؤمنون بأن الإنسان ليس مجموع أخطائه فقط، وأنه قد يتغير إن أُعطي فرصة صادقة لا فرصة مُملى عليها.

هذا التمسك لا يولد من فراغ. هو نتاج معرفة عميقة بك، معرفة تجعله يرى ضعفك خلف قسوتك، وارتباكك خلف تصرفاتك المؤذية، وخوفك خلف محاولات السيطرة أو الاستهزاء أو الهروب. لذلك حين ينفعل، فهو لا ينفعل لأنه اكتشف الحقيقة للتو، بل لأنه تعب من حملها وحده. وحين يعود لتهدئة الأمور، فهو لا يتراجع عن موقفه، بل يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول العلاقة إلى ساحة خسائر كاملة.

المؤلم في الأمر أن الطرف الآخر غالبًا لا يُكافأ على هذا الصبر، بل يُختبر أكثر. نتمادى في الخطأ لأننا نرى التسامح متاحًا، ونؤجل التغيير لأن المساحة لا تزال موجودة، ونخلط بين الرحمة والضعف، وبين الاحتواء والاستسلام. هنا يبدأ الانحدار الحقيقي، ليس في الخطأ نفسه، بل في الاعتياد عليه. فالخطأ الذي يُرتكب مع شخص صادق، ويُترك بلا مراجعة، يتحول مع الوقت إلى خيانة صامتة.

وحين نسأل: لماذا يتمسّك بي؟ نكون في الغالب نحاول الهروب من السؤال الأهم: لماذا لا أتغير؟ لماذا لا أواجه نفسي بالقدر الذي واجهني به؟ لماذا أستفيد من صدقه دون أن أبادله وضوحًا، ومن صبره دون أن أقدم احترامًا؟ هذه الأسئلة ليست أخلاقية فقط، بل وجودية، لأنها تحدد نوع الإنسان الذي نختار أن نكونه، لا نوع العلاقة التي نحافظ عليها.

قد يكون هذا الإنسان رسالة. ليس بالمعنى الوعظي المباشر، بل بالمعنى الأعمق: رسالة تُختبر فيها قدرتك على الاعتراف، على التواضع، على الإصلاح قبل فوات الأوان. فالله لا يوقظنا دائمًا بالمصائب، أحيانًا يوقظنا بالنعمة، وأحيانًا تكون النعمة إنسانًا يرى قبحك المحتمل ويمنحك وقتًا لتتداركه

لكن يجب أن يُقال بوضوح: ليس كل صبر أبديًا. أكثر القلوب قدرة على الاحتمال هي نفسها الأكثر عرضة للانكسار إذا استُنزفت. الفرق الوحيد أنها تنكسر بصمت، وتغادر دون ضجيج، ودون محاكمات، ودون رغبة في الانتقام. وحين تغادر، تترك خلفها فراغًا لا يُملأ، لأنك لا تخسر شخصًا فقط، بل تخسر نسخة أفضل كان يمكن أن تكونها لو أنك التقطت الرسالة في وقتها.

في النهاية، لا يُطلب منك أن تكون كاملًا، ولا أن تخلو من الخطأ، بل أن تكون واعيًا. أن تفهم أن وجود إنسان صادق في حياتك ليس حقًا مكتسبًا، بل أمانة. وأن التمسك بك رغم المعرفة ليس إذنًا مفتوحًا للأذى، بل فرصة نادرة للإصلاح. فمن يدرك ذلك مبكرًا، لا ينقذ علاقة فقط، بل ينقذ نفسه من أن يصبح شخصًا يندم حين لا يعود الندم مجديًا.