ا/محمد باجعفر
حروفٌ تتسلّل من بين الصمت
وكلماتٌ تبحث عن
مأوى في قلبٍ يتذكّر
ونبضٌ كلما هدأ
أيقظته ذكرى
مشاعرٌ لم تغب
باختيارها
لكنها أُبعدت قسرًا
بين زمنٍ لا ينتظر أحدًا
ومكانٍ لا يعرف الشوق
إلا حين يسكنه الغياب
ويبقى الأنين في الصدور
مثل وترٍ مشدود
إن لامسته الذكرى
اهتزّ شجنًا
وتارةً يبوح كطفلٍ اشتاق
وتارةً ينوح كقلبٍ أتعبه الصبر
ستة عشر عامًا
والحروف تعبر بيننا
كطيورٍ مهاجرة
تعرف طريقها
ولو تغيّرت الفصول
جمعتنا مساحةٌ افتراضية
لكن ما كان في القلوب
كان حقيقيًا
أصدق من كثيرٍ
من اللقاءات العابرة
حتى جاء ذلك اليوم
حين التقت العيون
فأسكتت كل الحروف
على قمم الهدا والشفا
حيث الغيم قريب
والسماء أقرب
والقلوب مكشوفة
كأنها تقف أمام مرآة الحقيقة
كان اللقاء
كأن العمر توقف قليلًا
ليمنحنا لحظة
لا تتكرر كثيرًا
حملنا أشواقنا
على أجنحة الحنين
لا خوف
ولا حساب للوقت
فبعض اللحظات
تُعاش مرةً واحدة
لكنها تكفي عمرًا
كاملًا من التذكّر
كانت كليلٍ هادئ
تتلألأ فيه النجوم
ووجهها بدرٌ
ينعكس عليه نورٌ
لا يُفسَّر
بل يُحسّ
ابتسامتها
دفءٌ يذيب برد
المسافات
وثغرها
كأن اللؤلؤ اصطفّ
فيه حياءً
وعيناها…
بحرٌ لا يُقاس عمقه
من نظر فيه
أدرك أن الغرق
أحيانًا نجاة
تحدّثنا قليلًا
لكن القلوب
قالت الكثير
فبعض الأرواح
تتعارف بلا مقدمات
وكأنها التقت
في زمنٍ قديم
ثم افترقت
لتلتقي من جديد
ومضى اللقاء
كما تمضي
الأشياء الجميلة سريعًا
لكن أثره
بقي طويلًا
كعطرٍ عالقٍ
في الذاكرة
لا يرحل
افترقنا
لا خصامًا
ولا مللًا
بل لأن للحياة
طرقًا لا تسأل القلوب
إلى أين تريد
ومع ذلك
تبقى بعض الوجوه
وطنًا صغيرًا
في الذاكرة
نزوره كلما اشتقنا
وكلما أثقلتنا الأيام
فبعض العلاقات
لا يُكتب لها اكتمال
لكن يُكتب لها خلود
في زاويةٍ صامتة
من القلب
وهكذا نظل
نبتسم للذكرى
ونمضي
ونُقنع أنفسنا
أن ما كان جميلًا
يكفي أنه كان
حتى لو لم يدم.






