الرئيسية مقالات المعنى بين اليقين والسؤال

المعنى بين اليقين والسؤال

15
0

فاطمه بكري

الحقيقة لا تتشكّل في فراغ ولا تُولد مستقلة عن سياقاتها فهي لا تظهر بوصفها كيانًا مطلقًا بل تتكوّن داخل شروطها وظروفها وتتحدّد بحدود ما يحيط بها فكل حقيقة تصطحب معها نقيضها وكل يقين يحمل في داخله هامشًا صغيرًا للشك لا ليهدمه بل ليحميه من التحوّل إلى جمود عقلي أو عقيدة مغلقة وحين نستغرب نقيضها فإننا نضع العقل أمام مأزق فلسفي أن ينفي ما لا يستطيع إنكاره بالكامل فالحرية مثلًا تُفهم غالبًا بوصفها انعدام القيود غير أنّ نقيضها الالتزام والانضباط هو ما يجعلها ممكنة أصلًا ولا خوف من هذا التناقض لأنه ليس خللًا في التفكير بل مرحلة ضرورية في اكتماله فالعقل الذي لم يمرّ بتجربة التناقض لم يُختبر بما يكفي ولم يدخل بعد في الامتحان الحقيقي للفهم إذ إن النضج المعرفي لا يقوم على الإجابة وحدها بل على القدرة على احتمال السؤال ومن هنا لا يكون البحث عن المعنى محاولة للإمساك بحقيقة نهائية بل مسارًا مفتوحًا للتفكير تتجاور فيه الاحتمالات دون أن يُلغي أحدها الآخر فالمعنى لا يُختزل في طرف واحد من الثنائية بل يتشكّل في المسافة بينهما في التوتّر الخلّاق بين الإثبات والنفي وبين اليقين والتساؤل وحين نظن أننا بلغنا الحقيقة كاملة نكون في الغالب قد أغلقنا باب الفهم بدل أن نفتحه إن أخطر ما يواجه العقل ليس الخطأ بل الاطمئنان الزائف ذلك الشعور المريح بأن الأسئلة قد انتهت فالحقيقة التي لا تُراجَع تتحوّل إلى سلطة والمعنى الذي لا يُسائَل يفقد حيويته لذلك فإن قبول نقيض الفكرة لا يعني التخلّي عنها بل الاعتراف بأن الواقع أعقد من أن يُختصر في صيغة واحدة هكذا تصبح الجدلية شرطًا للفهم لا عائقًا أمامه ويغدو التناقض أداة لكشف العمق لا دليلًا على الضياع فالمعرفة الحيّة هي تلك التي تظلّ قابلة للاهتزاز لأنها وحدها القادرة على النمو وعلى ملامسة الإنسان في هشاشته وتساؤلاته لا في أوهام يقينه المطلق