بقلم: أحمد علي بكري
عند الحديث عن أداة التعريف «أم» المستعملة في تهامة، فإن المنهج العلمي الصحيح يقتضي حسم المسألة من أصلها: نحن لا نتحدث عن لهجة عامية أو انحراف لغوي أو ظاهرة شعبية طارئة، بل عن نظام تعريف عربي فصيح قديم سبق استقرار أداة «الـ» بوصفها أداة التعريف المعيارية في العربية التي دونها النحاة لاحقًا. إن الخلط بين «الفصحى المعيارية» و«الفصحى التاريخية» هو أصل الإشكال، أما التحقيق العلمي فيُثبت أن العربية في عصورها الأولى لم تكن نسقًا واحدًا، بل كانت متعددة الأنظمة، وكلها فصيحة في سياقها الزمني والقبلي.العربية التي نزل بها القرآن واستقر عليها النحو في البصرة والكوفة ليست إلا اختيارًا معياريًا من بين اختيارات عربية فصيحة متعددة. فقد عرفت القبائل العربية أدوات تعريف مختلفة، منها «الـ» في الشمال، ومنها «أم» و«أن» في الجنوب، ولم يكن هذا التنوع موضع إنكار عند العرب أنفسهم قبل عصر التقعيد. وعليه فإن اعتبار «الـ» وحدها معيار الفصاحة حكم متأخر لا يجوز إسقاطه على المراحل الأقدم من العربية.في جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما في تهامة واليمن، استُعملت أداة «أم» أداةَ تعريف صريحة، تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها «الـ» دون اختلاف دلالي أو نحوي. فنقول: «امبيت» أي البيت، و«امسوق» أي السوق، و«امرجال» أي الرجال. وهذا الاستعمال ليس مجازيًا ولا اصطلاحيًا، بل بنية تعريفية كاملة، ثابتة، منسجمة مع النظام الصرفي العربي. وهي أداة تعريف لا تقل فصاحة عن «الـ»، وإنما تختلف عنها في الصورة الصوتية فقط.والأهم من ذلك أن هذه الأداة لم تكن حكرًا على الاستعمال الشفهي، بل دخلت في أسماء الأسر والمواضع، فصارت وثيقة لغوية اجتماعية تؤكد رسوخها، مثل: امجبر، امغريبة، امقليلة، امجوفي. ولو كانت «أم» مجرد عامية طارئة لما استقرت في الأسماء، لأن الأسماء بطبيعتها محافظة، لا تتشكل إلا وفق أعراف لغوية راسخة.أما من حيث الانتماء العربي، فإن أداة «أم» تنتمي إلى العربية الجنوبية الفصيحة، وهي عربية خالصة، لا لغة دخيلة ولا سامية أجنبية، وأهلها عرب، وأنسابهم عربية، ولسانهم عربي. والاختلاف بينها وبين العربية الشمالية اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. وهذا ما تقرره الدراسات اللسانية المقارنة التي تنظر إلى العربية بوصفها طيفًا لغويًا واسعًا لا قالبًا واحدًا جامدًا.وقد احتفظت تهامة بهذه الأداة لأنها كانت جغرافيًا وثقافيًا أقل خضوعًا لسلطة المراكز النحوية المتأخرة، فبقيت الأداة على حالها، تُتداول جيلًا بعد جيل، لا بوصفها «لهجة»، بل بوصفها اللغة الطبيعية لأهلها. ومن هنا فإن بقاء «أم التعريف» في تهامة ليس علامة تخلّف لغوي، بل علامة أصالة لغوية، لأن اللهجات في حقيقتها أرشيف حيّ للغات الفصيحة القديمة.وقد تنبّه إلى هذه الحقائق عدد من الباحثين في الجغرافيا واللغة والأنساب، ومنهم العلامة حمد الجاسر، الذي وثّق أسماء قبائل ومواضع احتفظت بخصائص لغوية قديمة لا تُفهم إلا بردّها إلى سياقها التاريخي الصحيح، لا إلى ميزان الفصحى المدرسية المتأخرة.الخلاصة العلمية القاطعة أن «أم التعريف» في تهامة أداة تعريف عربية فصيحة تاريخيًا، تمثل نظامًا لغويًا عربيًا أصيلًا سبق توحيد أداة التعريف في «الـ». والحكم عليها بالعامية أو اللحن خطأ علمي ومنهجي، ناتج عن إسقاط معيار متأخر على لغة أقدم منه. ومن أراد الإنصاف العلمي، فعليه أن يفرّق بين فصاحة اللغة في سياقها التاريخي، وبين المعيارية التي فرضها التدوين، فالأولى أوسع، وأقدم، وأصدق في تمثيل العربية كما كانت.






