أختر مستشارك بعناية.

بقلم أ غميص الظهيري :
كثيراُ ما يغفل عن أن الاستشارة عملا فكري قبل أن تكون أداة اتخاذ قرار وأن حسن الاستشارة دليل نضج لا يقل عن حسن القرار.
لكن المعضلة ليست في مبداً الاستشارة بل في من يستشار ؟ وهنا يقع الزلل
وقد قيل: *الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه !*
غير أن هذا الأصل الذي به يستنار قد يندم
إذا ساء اختيار المستشار.
فلا يستشار المحب فإنه لا يرى إلا ما وافق هواه وإن غلفه بالشفقة لأن عينه لا تفصل بين مصلحة القضية وميل قلبه فهو يبرر للمحبوب ويلون الفتوى ويجمل الخطأ بعاطفة المودة.
ولا يستشار المبغض فإنه لا يريد الخير ولو كتم ويشوه الصواب بحماسة الادعاء ويثنيك عن الحق لا لضعفه بل لصدوره ممن لا يحب.
*ولا يُستشار البخيل* فإن نفسه مغلولة وهمه في الكلفة لا في المصلحة فإن أشار أضعف العزيمة ونفر من الخير وأبقى العمل في حيرة.
*ولا يستشار من لم يجرب* المتجرد عن الدنيا في أمورها أو المتفرغ للعلم معزولاً عن ميادين العمل فذاك قد يغفل عن دقائق الواقع فيغلب عليه التنظير فيشير بما لم يجربه ويحكم بما لم يخالطه.
وإن كان من أهل الفضل
*ولا يستشار المولع بالدنيا* فإن استيلاءها عليه يظلم قلبه ويطوي بصيرته في الرغبة والرهبة فلا يرى إلا ظاهر الكسب ولا يزن الأمور إلا بما تعجله المنفعة فليس له قلب ناصح وإن بدا مشيراُ.
ولا يستشار من يريد أن يرى نفسه فيك فإنه وإن حسن قوله خبث منبعه لا يريد الرشد لك بل يحب أن تدين له وأن تظهر قراراتك كأنها من بنات أفكاره يفرح باتباعك له لا بصلاح أمرك في نفسه
فيفرح إذا قيل: هذا رأي فلان من افكار مستشاره يريد أن يبدو أنه هو المشير من وراء الستار.
ولهذا كان من *فقه المربي* في نفسه أن لا يسأل كل أحد وأن لا يكثر التنقل بين آراء الناس بل يحسن الظن بأهل الصدق والسكينة والتجربة ويختار من يرى الله في مشورته.
وقد رأينا في المحاضن أن كثيراً من الأخطاء التي عرقلت الأفكار لم تكن ضعفاً في الجهد بل ضياعاً في المشورة وسوءاً في اختيار المستشار فقد يفسد فكرته لأنه استشار من يحسن الطرح لا من يحسن التوجيه أو من يجيد الرد لا من يجيد النظر أو من هو كثير الاطلاع قليل البصيرة.
بل رأيت في الواقع من يتعمد أن لا يستشير إلا من يوافقه أو من يخشاه أو من يعجبه ثناؤه فيخدر ضميره أو يلقي الاستشارة على طاولة من لا يملك أحدهم التجرد لحداثة عهده بالمشكلة أو لشدة قربه من طرفها ثم يقال بعد ذلك: استشرنا الجميع.
وإن من تمام الرشد أن تطلب الاستشارة من خارج الطاقم لا ممن هم أطراف في الحدث أو واقعون تحت تأثير مباشر بل من عرف ببصيرة وبعد نظر وصدق قصد.
وتعرض حينها بإنصاف لا في قالب تلقين الجواب ولا تصويت لرأيٍ ينتظر الإقرار بل تطرح كما تُطرح القضايا العادلة كاملة شفافة تحتمل المراجعة قبل القرار.
وإن رأي المستشار مفتاح للأفق لا قيد على القرار.
والعاقل لا يحمل المستشار تبعة فعله ولا رد نصيحته لأنها لم توافق هوى نفسه.
إذا أحسن اختيار المستشار اختصر على نفسه عثرات سنين وإذا أساء أعاد الخطأ من جديد..



