
يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه أجواء روحانية خاصة، فهو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن الكريم، وشهر تتضاعف فيه الأجور وتسمو فيه النفوس. غير أن واقع الممارسة اليومية يكشف تباينًا واضحًا بين قدسية الشعيرة وصورة السلوك في بعض الفضاءات الاجتماعية.
رمضان في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مدرسة أخلاقية متكاملة. يهدف إلى تهذيب النفس، وضبط السلوك، وتعزيز قيم الصبر والتكافل والتراحم. وتتمثل حرمة الشهر في احترام هذه المقاصد، والالتزام بروح العبادة ظاهرًا وباطنًا، بعيدًا عن الاستفزاز أو المجاهرة بما يناقض قدسيته.
غير أن المشهد العام في السنوات الأخيرة يعكس بعض المظاهر التي تستدعي التوقف والتقييم.
ارتفاع غير مسبوق في وتيرة الاستهلاك قبيل الإفطار.
تبذير واضح في المواد الغذائية.
توتر وعصبية في الطرقات والأسواق.
انشغال مفرط بالشاشات والبرامج الترفيهية على حساب العبادة.
هذه السلوكيات تتعارض مع فلسفة الصيام القائمة على التخفف لا التكديس، وعلى السكينة لا التوتر، وعلى الإحساس بالآخرين لا الانغماس في الذات.
المفارقة أن رمضان الأمس، رغم بساطة الحياة فيه، كان أكثر حضورًا في الوجدان الجماعي. كانت المساجد عامرة بالمصلين، وكانت موائد الإفطار تجمع العائلة والجيران، وكان التكافل الاجتماعي ملموسًا في الأحياء. أما اليوم، فرغم وفرة الوسائل، يبدو أحيانًا أن الجوهر يتراجع أمام المظاهر.
الحفاظ على حرمة رمضان مسؤولية جماعية.
الأسرة مطالبة بغرس المعنى الحقيقي للصيام في الأبناء.
المؤسسات الدينية مدعوة إلى تكثيف خطاب التوعية والاعتدال.
وسائل الإعلام مطالبة بمحتوى يعزز القيم بدل تضخيم النزعة الاستهلاكية.
الشباب مدعوون لتقديم صورة راقية تعكس وعيًا حضاريًا بأهمية الشهر.
رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة الذات، وتجديد الصلة بالله وبالناس. إن صون حرمته لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية التي تعكس صدق الالتزام وروح التقوى.
ويبقى السؤال الجوهري: هل نعيش رمضان كمنهج حياة، أم نكتفي بالاحتفاء بمظاهره؟
الإجابة تحدد شكل علاقتنا بالشهر، وتكشف مدى وعينا برسالته الحقيقية.



