البنية السردية والتخييل التاريخي في رواية “السيكاري” للروائية سلمى البكري

 

نوال مسلم :جدة:-

تأتي رواية “السيكاري” للكاتبة سلمى البكري امتدادًا لمسيرتها الروائية التي بدأت مع روايتي“صراع التاريخ”

(2020) و”كوكولكان” (2022)، حيث يظهر ميلها الواضح إلى توظيف الماضي بوصفه مادة سردية قابلة لإعادة التشكيل الفني. وفي هذا السياق، تنتمي الرواية إلى نوع الأدب التاريخي الذي يتجاوز مجرد استرجاع الوقائع، لتعيد صياغتها ضمن سرد متخيّل يتيح المجال لاستكشاف الصراعات عبر الأزمنة.

صدرت الرواية عن دار مكتوب للنشر في المملكة العربية السعودية، وهي دار عُرفت بدعمها للأعمال السردية ذات البعد الفكري والأدبي المتميز، مما يتوافق تمامًا مع طبيعة هذا العمل الذي يجمع بين الدقة الزمنية والإتقان الفني.

وتدور أحداث الرواية في القرن الأول الميلادي، في مرحلة مضطربة شهدت ظهور جماعة السيكاري. وفي هذا الإطار، تستحضر الكاتبة تلك الحقبة بوصفها فضاءً سرديًا غنيًا بالتوترات والتحولات، حيث تتشابك المصالح وتتقاطع الولاءات، وتتبدل المواقف بين القناعة الفردية والضغوط المحيطة، مما يعكس مجتمعًا يواجه حالة من التقلبات والنزاعات الداخلية.

من خلال هذا الإعداد، تفتح الرواية نافذة على عالم تتجاور فيه المشاعر المتناقضة، حيث تتقاطع الثقة مع الريبة، ويصبح الاختلاف انعكاسًا للتحديات النفسية والفكرية، وبذلك يتحوّل النص إلى مرآة تعكس تناقضات الكيان الداخلي بين القناعات الشخصية ومتطلبات الواقع.

ومنذ الصفحات الأولى، يتضح امتلاك الكاتبة حسًا سرديًا متقنًا وقدرة على إدارة الزمن الروائي بمرونة، إذ توظف تقنية الاسترجاع الزمني (الفلاش باك) لإعادة بناء الماضي ضمن سياق الحاضر. وهكذا، لا يظهر الزمن التاريخي كمرحلة منفصلة، بل كصدى يتكرر عبر الأزمنة، حيث تعود التساؤلات الجوهرية نفسها رغم تنوع الظروف والمظاهر.

تقوم بنية الرواية على تداخل محكم بين المعطى الزمني والمخيال الأدبي، مما يخلق مساحة تتلاشى فيها الحدود بين الحقيقة والخيال، ويحوّل الماضي إلى مادة للغوص في العمق النفسي للشخصيات، بدل أن يكون مجرد سجل للأحداث.

بينما تتسم البنية السردية بتعدد الطبقات؛ إذ يوجد مستوى ظاهر يتتبع النزاعات والمراحل في المجتمع، ومستوى باطن يكشف التناقضات الداخلية العميقة. في حين تتحرك الشخصيات في شبكة معقدة من التناقضات بين الإيمان والمصلحة، وبين الواجب والرغبة، وبين البحث عن الخلاص والانجراف خلف قدر محتمل، مما يمنح النص عمقًا فكريًا ونفسيًا واضحًا.

أما اللغة، فتتميز بالدقة والمرونة، إذ تتحول إلى عنصر جمالي فاعل يساهم في تشكيل المعنى وإيقاع السرد. وفي الوقت نفسه، تنجح الكاتبة في الجمع بين الأسلوب الكلاسيكي والنبرة التعبيرية الحديثة، ما يمنح النص حيوية وقدرة على التواصل مع القارئ.

وتعتمد الرواية على شبكة شخصيات متعددة الأبعاد، تتراوح بين الواقعي والمثالي، الرمزي والإنساني. ولا يقتصر دور الشخصيات الثانوية على الهامشية، بل تحمل في داخلها دلالات تضيف بعدًا جديدًا للمعنى العام للرواية، مما يجعل الماضي في النص حصيلة تفاعلات دقيقة تتجاوز الأفعال الفردية للأبطال.

كما تظهر الشخصية المحورية بوصفها نموذجًا للإنسان الممزق بين الإيمان والمصلحة، شخصية تقوم على تناقض داخلي يضعها في مواجهة مستمرة مع نفسها ومع المحيط، مما يضفي على الرواية بعدًا تراجيديًا يشبه بعض النماذج الأدبية العالمية، مع احتفاظها بخصوصية ثقافية متميزة.

وتركز الرواية على ثلاث ثيمات رئيسة تشكّل بنيتها الفكرية: الإيمان، والمصلحة، والقدر. فالإيمان تجربة داخلية تتشكل عبر الألم والاختبار، والمصلحة تمثل صراع الرغبات الفردية مع المبادئ، بينما القدر لا يُقدّم كقوة حتمية، بل كمساحة لمساءلة وتحمل مسؤولية الخيارات.

تقنيًا، توظف الكاتبة التقطيع الزمني وتداخل المشاهد بأسلوب قريب من السرد السينمائي، مما يمنح النص ديناميكية ويكثف التوتر الدرامي، ويبقي القارئ متفاعلًا مع الأحداث. كما تظهر الرمزية في إشارات متكررة تحمل دلالات عميقة تشير إلى التوترات الداخلية والصراعات النفسية، وإلى العلاقة المعقدة بين الخلاص والمصير، وبين الخير والشر.

ومن خلال هذا البناء المتكامل، تتجاوز “السيكاري” وظيفة الرواية التاريخية التقليدية، لتعيد التفكير في فكرة الماضي نفسها: من يكتبه؟ وكيف تُحكى أحداثه؟ وهل يمكن للبشر التحرر من تكرار ما حدث؟ وبالتالي، تمنح هذه التساؤلات النص بعدًا فلسفيًا، وتدفع القارئ إلى قراءة الحاضر في مرآة الماضي وإعادة النظر في مفاهيم الحياة.

وفي ضوء ذلك، تمثل الرواية مرحلة متقدمة في مسيرة سلمى البكري السردية، إذ تظهر نضجًا واضحًا في إدارة المادة التاريخية وبناء العالم الروائي، مع قدرة على الجمع بين العمق الفكري والجاذبية الفنية. وبذلك، تؤكد الرواية قدرة الأدب السعودي المعاصر على تقديم سرد متقن ورفيع المستوى، يجمع بين الرؤية الفكرية والبناء الأدبي، ويعيد التأكيد على أن الأدب يسهم في مساءلة التاريخ وفهمه، لا الاكتفاء بسرد الوقائع.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

منار الهجرسي تحصد جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فيمتو آرت عن «وعد التراب»

  جدة – ماهر بن عبدالوهاب حصدت الممثلة الشابة منار الهجرسي جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فيمتو آرت الدولي، عن دورها في الفيلم القصير «وعد التراب»، في خطوة جديدة تضاف إلى مسيرتها الفنية، التي تجمع بين المشاركات السينمائية والدرامية. وعُرفت منار الهجرسي باهتمامها بالأفلام القصيرة، التي ترى أنها تمنحها مساحة أكبر للتعبير عن رؤيتها الفنية وتقديم موضوعات تحمل رسائل وقضايا مختلفة، وهو ما أكدته خلال لقائها…

درة زروق تتوج بأفضل جائزة للتميز والإبداع بمهرجان الفضائيات العربية لتألقها في «علي كلاي»

  جدة – ماهر بن عبدالوهاب حصدت النجمة درة زروق جائزة أفضل التميز والإبداع في مهرجان الفضائيات العربية لعام 2026، عن أدائها لشخصية «ميادة الديناري» في مسلسل «علي كلاي»، وذلك بعد النجاح الذي حققته الشخصية وتفاعل الجمهور معها خلال موسم دراما رمضان 2026. وأعربت من جهتها درة زروق عن سعادتها بهذا التكريم، مؤكدة أن الجائزة تمثل لها تقديرًا مهمًا لما قدمته من خلال شخصية «ميادة الديناري»،…

لقد فاتك ذلك

السيسى يلقى كلمتة فى الاجتماع المغلق لأعضاء دول البريكس بنيودلهي

السيسى يلقى كلمتة فى الاجتماع المغلق لأعضاء دول البريكس بنيودلهي

«قوة عطاء» ينفذ مبادرة «في كل بيت مسعف» بالشراكة مع جمعية الملك فهد الخيرية بجازان

«قوة عطاء» ينفذ مبادرة «في كل بيت مسعف» بالشراكة مع جمعية الملك فهد الخيرية بجازان

وزير الطيران المدني المصرى يلتقى مع وزراء النقل والطيران ورؤساء هيئات الطيران المدني بعدد من الدول العربية والأفريقية

وزير الطيران المدني المصرى يلتقى مع وزراء النقل والطيران ورؤساء هيئات الطيران المدني بعدد من الدول العربية والأفريقية

” سوق الحرف ” يطلق نسخته الثالثة في الظهران لدعم الحرفيين وتعزيز حضور الموروث الحرفي

” سوق الحرف ” يطلق نسخته الثالثة في الظهران لدعم الحرفيين وتعزيز حضور الموروث الحرفي

عاصفة

عاصفة

ملامح

ملامح

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode