الزواج بين غلاء التكاليف وعزيمة الشباب.. هل آن أوان التيسير؟

بقلم أ. غميص الظهيري:

يُعد الزواج من أهم اللبنات التي يقوم عليها استقرار المجتمع، وهو سنة فطرية وشرعية تهدف إلى بناء الأسرة وتحقيق السكينة والمودة والرحمة بين الزوجين. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في إقبال كثير من الشباب على الزواج، ليس لضعف الرغبة في تكوين أسرة أو لبناء مستقبل مشترك، وإنما بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الزواج، حتى أصبحت هذه الخطوة تمثل تحديًا ماليًا يفوق قدرة كثير من المقبلين عليها.

لقد تحولت بعض مظاهر الزواج في مجتمعنا من مناسبة اجتماعية يسودها الفرح والبساطة إلى سباق في المظاهر والتفاخر، فارتفعت المهور إلى مستويات لا تتناسب مع إمكانات كثير من الشباب، وأصبحت حفلات الزواج تتطلب استئجار قصور أفراح باهظة الثمن، وإقامة ولائم عشاء ضخمة تضم عشرات الأصناف، فضلًا عن تكاليف التصوير والديكور والهدايا والضيافة وغيرها من المصروفات التي قد تستنزف مدخرات الشاب لسنوات طويلة، أو تدفعه إلى الاقتراض والدخول في التزامات مالية تثقل كاهله منذ الأيام الأولى لحياته الزوجية.

وأمام هذه الأعباء، فضّل عدد من الشباب تأجيل الزواج أو العزوف عنه حتى تتحسن أوضاعهم المالية، وهو ما انعكس على المجتمع بارتفاع متوسط سن الزواج، وظهور آثار اجتماعية واقتصادية تستحق الوقوف عندها بجدية، لأن تأخير الزواج لا يؤثر في الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع بأكمله.

ورغم استمرار هذه التكاليف الباهظة، فإن هذا العام شهد حراكًا لافتًا في الإقبال على الزواج، حيث عقد كثير من الشباب العزم على إكمال نصف دينهم، مؤمنين بأن بناء الأسرة هدف يستحق تجاوز الصعوبات والعقبات المالية. وقد يكون هذا التحول ناتجًا عن عدة عوامل، من أبرزها حصول بعض الشباب على قروض مصرفية، على الرغم من ارتفاع فوائدها وما قد يترتب عليها من التزامات تمتد لسنوات، إضافة إلى ما يقدمه الأقارب والأصدقاء من دعم مادي أو ما يُعرف بـ«الرفد» ليلة الزواج، وهو دعم يسهم في تخفيف جزء من تكاليف الحفل ووليمة العشاء، ويعكس قيم التكافل الاجتماعي التي لا تزال حاضرة في المجتمع.

ومع أن هذه الحلول ساعدت بعض الشباب على تجاوز العقبات، فإنها لا تمثل علاجًا جذريًا للمشكلة، فالقروض مهما كانت ميسرة تبقى التزامًا ماليًا قد يثقل كاهل الزوجين في بداية حياتهما، بينما يظل الدعم الاجتماعي مرتبطًا بظروف الأشخاص وقدراتهم، ولا يمكن الاعتماد عليه بوصفه حلًا دائمًا.

إن الحل الحقيقي يبدأ بإعادة النظر في كثير من العادات الاجتماعية التي جعلت الزواج مشروعًا ماليًا مكلفًا، في حين أن الأصل فيه اليسر لا العسر. فالمطلوب اليوم هو نشر ثقافة الاعتدال في المهور، والابتعاد عن المغالاة التي لا تحقق استقرارًا أسريًا، وتشجيع الأسر على الاكتفاء بحفلات زواج بسيطة تحفظ فرحة المناسبة دون إسراف أو تكلف، إلى جانب دعم المبادرات المجتمعية وصناديق الزواج التي تسهم في مساعدة الشباب، والعمل على توفير برامج تمويل ميسرة بتكاليف منخفضة، بما يخفف الأعباء المالية عنهم، مع تشجيع حفلات الزواج الجماعي التي أثبتت نجاحها في خفض التكاليف وتعزيز روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.

إن قيمة الزواج لا تُقاس بفخامة القصور، ولا بعدد أصناف الولائم، ولا بحجم الإنفاق، وإنما بما يؤسس له من مودة ورحمة واستقرار. فكم من زواج بدأ بإمكانات متواضعة، لكنه أثمر حياة سعيدة وأسرة مستقرة، وكم من زواج أُنفقت عليه مبالغ طائلة، ثم لم يحقق السعادة التي كان الجميع يتطلع إليها. فالسعادة لا تُشترى بالأموال، وإنما تُبنى على حسن الاختيار والتفاهم والاحترام المتبادل.

إن المجتمع بكل مؤسساته، والأسر على وجه الخصوص، مدعوون اليوم إلى مراجعة كثير من العادات التي أثقلت كاهل الشباب، وإلى ترسيخ ثقافة التيسير بدل التعسير، حتى يصبح الزواج في متناول كل شاب وفتاة يرغبان في بناء أسرة مستقرة. وإذا نجحنا في تخفيف الأعباء المالية، وتغيير النظرة التي تربط نجاح الزواج بكثرة الإنفاق، فإننا سنفتح أبواب الأمل أمام آلاف الشباب، وسنسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا، تتحقق فيه مقاصد الزواج السامية بعيدًا عن الديون والضغوط والمظاهر التي تزول بانتهاء ليلة الزفاف، بينما تبقى الأسرة الصالحة هي الاستثمار الحقيقي للمجتمع والأجيال القادمة.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

العقل النظيف أساس النجاح

بقلم: ليلى محمد ليس النجاح مجرد منصب يُنال أو شهرة تُحقق أو ثروة تُجمع بل هو انعكاس لما يحمله الإنسان في عقله وقلبه من قيمٍ ومبادئ فالعقل النظيف هو الذي يفكر بإيجابية ويتعامل بنزاهة ويبتعد عن الحقد والحسد وسوء الظن ويؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يأتي إلا بالاجتهاد والإخلاص أصحاب العقول النظيفة لا ينشغلون بإعاقة الآخرين  أو التقليل من إنجازاتهم بل يستثمرون وقتهم في تطوير أنفسهم…

حين تموت البصيرة في زمن امتلأ بالمعرفة

الكاتبه / عبير صالح الصقعبي هناك مفارقة تستحق التأمل فكلما ازدادت وسائل المعرفة ازداد عدد الذين يظنون أنهم يعرفون. لم يعد أخطر أنواع الجهل هو غياب المعلومة بل حضورها بلا فهم فالعقول اليوم لا تعاني من الفراغ بل من الازدحام  وكلما ازدحم العقل بما لم يُمحّص ضعفت قدرته على التمييز حتى يصبح الإنسان واثقًا من أفكار لم يفكر فيها أصلًا بل ورثها من عنوان أو مقطع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الهلال الأحمر الجزائري بقصر البخاري يوزع المياه على ستة مساجد صدقة جارية على روح الفقيدة كنزة سالمي

الهلال الأحمر الجزائري بقصر البخاري يوزع المياه على ستة مساجد صدقة جارية على روح الفقيدة كنزة سالمي

العقل النظيف أساس النجاح

العقل النظيف أساس النجاح

حين تموت البصيرة في زمن امتلأ بالمعرفة

حين تموت البصيرة في زمن امتلأ بالمعرفة

الزواج بين غلاء التكاليف وعزيمة الشباب.. هل آن أوان التيسير؟

الزواج بين غلاء التكاليف وعزيمة الشباب.. هل آن أوان التيسير؟

فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة يحصل على شهادة الجودة العالمية

فرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة يحصل على شهادة الجودة العالمية

تحت شعار خلك واعي مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة يُطلق برامج توعوية ميدانية لتعزيز الصحة الوقائية

تحت شعار خلك واعي مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة يُطلق برامج توعوية ميدانية لتعزيز الصحة الوقائية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode