بقلم: أحمد علي بكري
انتهيت اليوم من مشاهدة مسلسل “زائر من الفضاء (بوبو)” كاملًا بعد نحو أربعين عامًا من عرضه الأول، وكانت تجربة أعادتني بكل تفاصيلها إلى طفولتي. شعرت وكأنني ذلك الطفل ذو التسع سنوات الذي كان ينتظر موعد الحلقة كل يوم في رمضان أمام شاشة القناة السعودية الأولى، لا يريد أن يفوّت دقيقة واحدة من مغامرات بوبو والعم صابر وعبلة. لكن هذه المرة لم أشاهده بعين الطفل فقط، بل بعين الإنسان الذي أدرك بعد مرور السنين حجم الرسائل والقيم التي حملها هذا العمل، ومدى سبق صُنّاعه لعصرهم. فكل حلقة كانت تحمل معنى، وكل مشهد كان يخفي رسالة، حتى إنني وجدت نفسي أستمتع به اليوم كما استمتعت به عام 1406هـ، بل ربما أكثر، لأنني أصبحت أرى تفاصيل لم أكن أدركها وأنا طفل. لم يكن مسلسل “زائر من الفضاء” مجرد مسلسل أطفال عُرض في شهر رمضان، بل كان تجربة درامية استثنائية لا تزال حاضرة في ذاكرة السعوديين والعرب بعد ما يقارب أربعة عقود من عرضه الأول على القناة السعودية الأولى خلال شهر رمضان عام 1406هـ الموافق 1986م. ففي زمن كانت فيه الأعمال الموجهة للأطفال تعتمد غالبًا على الرسوم المتحركة المستوردة، جاء الفنان السعودي الراحل لطفي زيني ليقدم عملاً محليًا بطموح كبير، يمزج بين الخيال العلمي والدراما الأسرية والقيم الإنسانية، ويثبت أن الإبداع لا تحده الإمكانات المادية بقدر ما تصنعه الفكرة والرؤية.
كان العمل من بطولة وإنتاج الفنان لطفي زيني الذي جسد شخصية العم صابر، وشاركه البطولة الطفل وسام حمدي في دور بوبو، إلى جانب الفنانة هدى يماني في دور عبلة، وعدد من الفنانين السعوديين الذين أسهموا في صنع واحد من أشهر أعمال الطفل في تاريخ التلفزيون السعودي.
تحكي القصة عن الطفل الفضائي بوبو القادم من كوكب ريشكو، ذلك الكوكب الذي بُنيت حضارته على السلام والتعاون والمحبة. ومن أروع الرموز التي رسخها المسلسل في أذهان المشاهدين علم كوكب ريشكو الذي حمل رمز الحمامة البيضاء، في رسالة واضحة بأن السلام ليس مجرد شعار، بل قيمة يعيشها سكان ذلك الكوكب. وفي المقابل يقف كوكب سسكو، الذي يمثّل الطمع والعدوان والسعي إلى إثارة الحروب، في مفارقة رمزية بسيطة استطاع الأطفال فهمها بسهولة، بينما أدرك الكبار عمقها السياسي والإنساني.
منذ الحلقة الأولى نجح المسلسل في جذب المشاهدين عندما هبط بوبو إلى الأرض، ليجد نفسه في عالم مختلف تمامًا عن عالمه. لم يكن يعرف عادات البشر، ولم يكن البشر يعرفون حقيقته، لكن العم صابر وعبلة احتضناه بكل حب، لتبدأ واحدة من أجمل العلاقات الإنسانية التي عرفها التلفزيون السعودي.
ومن أكثر المشاهد المؤثرة تلك اللحظات التي كان يظهر فيها والدا بوبو وهما يحاولان بكل ما أوتيا من علم وتقنية الوصول إلى الأرض لاستعادة طفلهما. كانت تلك المشاهد تُشعر الطفل المشاهد بقيمة الأسرة، وأن حب الوالدين لا يعرف المسافات، حتى لو كانت بين كوكبين مختلفين.
وفي المقابل، لم يتوقف أشرار كوكب سسكو عن تدبير المؤامرات. لم يكن هدفهم خطف بوبو فحسب، بل كانوا يحاولون زرع الكراهية وإشعال الفتنة بين سكان الأرض وسكان ريشكو، مستغلين الخوف وسوء الفهم لتحقيق أهدافهم. وهنا قدم المسلسل رسالة سبقت زمنها، مفادها أن الحروب تبدأ غالبًا بالشائعات والتضليل قبل أن تبدأ بالسلاح.
ولم تخلُ الحلقات من المواقف الكوميدية التي ما زالت عالقة في الذاكرة. فقد كان بوبو، بعفويته وبراءته، يوقع العم صابر في مواقف محرجة لا تُنسى، سواء بسبب جهله بعادات الأرض أو بسبب استخدامه لقدراته بطريقة غير متوقعة، فيجد العم صابر نفسه مضطرًا إلى اختراع الأعذار لإنقاذ الموقف، وهو ما كان يرسم الابتسامة على وجوه الصغار والكبار معًا.
كما حفلت الحلقات بمشاهد مؤثرة، مثل لحظات اشتياق بوبو إلى والديه، أو عندما كان ينظر إلى السماء متمنيًا العودة إلى موطنه، وهي مشاهد جعلت الأطفال يشعرون لأول مرة بمعنى الغربة والحنين إلى الوطن والأسرة.
وفي الحلقة الأخيرة، امتزجت مشاعر الفرح والحزن معًا. فرحٌ لأن بوبو استطاع أخيرًا العودة إلى والديه وكوكبه، وحزنٌ لأن المشاهدين كانوا يودعون شخصية أصبحت فردًا من عائلاتهم طوال شهر كامل. كان ذلك الوداع من المشاهد التي بقيت راسخة في ذاكرة جيل الثمانينيات.
ورغم أن المؤثرات البصرية كانت محدودة وفق معايير الثمانينيات، فإن تصميم المركبات الفضائية، والديكورات، والأزياء، وتقنيات التصوير، كانت تمثل إنجازًا كبيرًا للإنتاج التلفزيوني السعودي آنذاك. لقد استطاع لطفي زيني وفريقه أن يصنعوا عالمًا كاملًا من الخيال بإمكانات بسيطة، وهو ما جعل كثيرًا من المشاهدين يقارنون العمل بأشهر مسلسلات الخيال العلمي الأجنبية في تلك الفترة.
الفنان لطفي زيني (1937–2013) يُعد من رواد المسرح والدراما السعودية، وكان كاتبًا وممثلًا ومنتجًا وصاحب رؤية فنية سباقة. آمن بأن الطفل العربي يستحق أعمالًا تحمل رسالة، ولذلك لم يكن “زائر من الفضاء” مجرد مغامرة إنتاجية، بل مشروعًا تربويًا وثقافيًا متكاملًا. أما الفنانة هدى يماني فقد جسدت شخصية عبلة بحضور إنساني دافئ جعلها أقرب إلى الأخت الكبرى التي احتضنت بوبو ورعته، بينما استطاع الطفل وسام حمدي أن يمنح شخصية بوبو براءةً وعفويةً جعلتها خالدة في ذاكرة المشاهدين حتى اليوم.
واليوم، وبعد مرور نحو أربعين عامًا على إنتاج المسلسل، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة إحياء هذا العمل. فالقصة لا تزال صالحة، ورسائلها الإنسانية أكثر أهمية من أي وقت مضى. إن إعادة إنتاج زائر من الفضاء كمسلسل أو فيلم سينمائي بميزانية كبيرة، مع الحفاظ على روح النص الأصلي وشخصياته، قد تمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف واحد من أجمل أعمال الخيال العلمي العربية.
ولا يمكن الحديث عن هذا العمل دون توجيه الشكر إلى قناة ذكريات، التي أعادت عرضه لتعيد معها زمنًا كاملًا من البراءة. فقد أعادت القناة إلى آلاف المشاهدين مشاعر الطفولة، وأثبتت أن الأعمال الصادقة لا تشيخ، وأن القيم النبيلة التي حملها بوبو، وعلم ريشكو الذي يرمز إلى السلام، ورسائل المحبة والتسامح التي واجهت شرور سسكو، ما زالت قادرة على مخاطبة القلوب بعد كل هذه السنين.
إن “زائر من الفضاء” لم يكن مجرد مسلسل أطفال، بل كان درسًا في الإنسانية، ورسالة في أن السلام أقوى من الحرب، وأن الخير قد يتأخر، لكنه لا يُهزم أبدًا.








