عندما يكون الحوار عقيمًا.. فالانسحاب هو القرار الحكيم

 

محمد فريح الحارثي

✍️كاتب صحفي

كم مرة دخلنا في حوار بدأ بلطف واحترام، ثم اكتشفنا فجأة أنه تحول إلى جدال وصِدام مع طرف لا يريد أن يفهم، بل يريد فقط أن يفرض رأيه حتى وإن كان على خطأ؟

في تلك اللحظات بالذات يزداد التوتر، وتتحرك فينا رغبة بشرية تلقائية للإثبات ؛ فنبذل طاقة هائلة في الشرح والتوضيح، ونحشد الحجج والبراهين التي تثبت حُسن نوايانا، أو تبرر مواقفنا، لنستيقظ في النهاية على حقيقة نتجرع مرارتها أن كل ما نقوله وندفع به لم يغير من الواقع شيئاً، وكل ما حصدناه هو الصداع، والإرهاق، وتعكير صفو اللحظة واليوم بأكمله.

نحن نقع أحياناً في وهم أو خيال فكري يخبرنا أن الانسحاب ضعف أو هزيمة، وأن رفع الصوت وإطالة الجدال هما دليل القوة. لكن الواقع يؤكد أن بعض المعارك تكون فيها هزيمة الحوار هي النصر الحقيقي و الخروج منها فوراً هو أكبر غنيمة.

هناك مناقشات أُغلقت أبوابها مسبقاً مع أشخاص يتبنون عقلية ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾؛ ينطلقون من قناعة صلبة بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، والدخول معهم في نقاش ليس سوى استنزاف فكري للصحة والعافية.”

حين يهمس لك صوت الحكمة الداخلي أن تسكت وتنسحب، اعلم أن هذا ليس تراجعاً، بل هو أعلى درجات الاحترام لنفسك. أنت تقرر في تلك اللحظة أن وقتك وطاقتك النفسية أغلى من أن تُهدر في حوار عقيم.

الجميل في هذا الانسحاب الصامت أنه يربك الطرف الآخر؛ لأنه يجد نفسه فجأة يحارب في الفراغ بعد أن حرمته من الوقود الوحيد الذي يغذيه: ردك وتفاعلك.

الحياة أقصر وأثمن من أن نضيعها في محاولة تغيير من قرر ألا يرى. وفي المرة القادمة التي تجد فيها نفسك في حوار لا نهاية له.. استرد وعيك، ابتسم بلطف، انسحب بذكاء، ووفر هذه الطاقة لجودة حياتك.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

ا. محمد باجعفر ​أضواء الكاناري البراقة ​في عالم تسوده المظاهر الخادعة، حيث تُباع الألقاب والبطولات الوهمية على شاشات الزيف، كان هناك عصفوران عُرفا بـ “الكناري” كانا يتصدران المشهد الإعلامي في كل محفل ومناسبة؛ يغردان معاً، يتبادلان الأضواء، وتتجه نحوهما الأنظار. تارة تكون العصفورة إلى يمينه، وتارة يقف هو إلى جانبها في استعراض مثالي للتناغم المصطنع. كان الجمهور يصفق، والكاميرات ترصد كل حركة، والغرور يملأ الأجواء بأن…

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

بقلم: أحمد علي بكري حين نتحدث عن العرب قبل الإسلام، كثيرًا ما نختزل صورتهم الأخلاقية في صفتين اشتهروا بهما: الشجاعة والكرم، حتى يكاد البعض يتصور أن المروءة العربية لم تكن تتجاوز حمل السيف وإكرام الضيف. ولا شك أن الشجاعة والكرم كانتا من أعظم ما تفاخر به العرب، وخلّدت أشعارهم وأخبارهم صورًا كثيرة منهما، لكن اختزال أخلاق العرب فيهما وحدهما اختزال لا ينصف تلك الثقافة الأخلاقية ولا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

​سقوط الأقنعة في مملكة الطيور قصة العصفور والزيف الإعلامي

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

استعدادًا للعام الدراسي الجديد إطلاق مبادرة العودة للدراسة سليم. وجميلة

بيئة الكامل بالتعاون مع الدفاع المدني ينفذون عددًا من الجولات الميدانية الإرشادية على مزارع المحافظة

بيئة الكامل بالتعاون مع الدفاع المدني ينفذون عددًا من الجولات الميدانية الإرشادية على مزارع المحافظة

برعاية شيخ الأزهر.. انطلاق فعاليات «اليوم العالمي للسرد القرآني» بمشاركة محلية وعالمية واسعة

برعاية شيخ الأزهر.. انطلاق فعاليات «اليوم العالمي للسرد القرآني» بمشاركة محلية وعالمية واسعة

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

مكارم الأخلاق عند العرب.. لم تكن الشجاعة والكرم وحدهما

نكتب بأسمائنا.. ونقف مع وطننا

نكتب بأسمائنا.. ونقف مع وطننا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode