مذكرات رجل مشاغب الولد الشقي سابقًا

من الصعب أن تكون أبًا!

الجزء الاول

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي.

من أجمل فترات العمر فترة الأبوة… فالأبوة لها طعم خاص، وما إن تصبح أبًا حتى تشعر أن هناك امتدادًا لك، روحًا صغيرة تحمل اسمك، وتكبر أمام عينيك يومًا بعد يوم.

تجلس أحيانًا تتأمل ذلك المخلوق الصغير، وهو نائم، فتقول في نفسك:

«معقول هذا أنا؟!»

ثم تنظر إلى فاتورة الحليب والحفاضات وتقول:

«لا… هذا أكيد مشروع تجاري مستقل!»

ولكن، وقبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة الأبوة، هناك مرحلة أخرى لا يتحدث عنها أحد كثيرًا… وهي مرحلة الانتظار!

وهنا تبدأ الحكاية…

بعد دفع المهر، وإتمام الزواج، والفرح الذي كان فعلًا فرحًا أنيقًا، حضره الأهل والأحبة والأصدقاء، عدنا إلى حياتنا الطبيعية.

وبعد شهر تقريبًا بدأت الأسئلة تنهال من كل اتجاه:

— ها… متى سوف يأتي سعود؟

وأنا في داخلي أقول:

«يا جماعة الخير، اصبروا شوي! الرجال توه متزوج!»

ولا أدري لماذا كان الجميع يفترض أن أول مولود يجب أن يكون ولدًا!

مع أنني أحب البنات كثيرًا، فالبنات أزهار البيت، وهنّ من يضفن للبيت تلك الروح الجميلة.

مر شهر… وشهران… وثلاثة أشهر…

ولا توجد بوادر حمل.

وهنا بدأت الأخبار تنتقل أسرع من نشرات الأخبار!

حتى الجيران أصبحوا يسألون، وبعد السلام والتحية مباشرة:

— ها أستاذ فايل، كيف المدام؟ بعدها ما حملت؟

يا جماعة الخير… ما لكم وما للمدام؟!

وكأن مولودًا واحدًا سوف يغيّر تركيبة الكون، أو أن الأمم المتحدة تنتظر خبر الحمل حتى تعقد جلسة طارئة!

وطبعًا العائلة كانت في المقدمة.

كل يوم يأتي أحدهم:

— عسى المدام حامل؟

— لا.

— إن شاء الله قريب.

— إن شاء الله.

ثم يذهب، ويأتي آخر بنفس السؤال!

حتى أصبحت أخاف من الخروج من البيت.

كنت أخشى أن أمشي في الشارع فيوقفني رجل المرور لتحرير مخالفة، ثم بعد أن ينتهي من كتابة المخالفة يقول لي:

— أهلًا أستاذ فايل.

وطبعًا في تلك الفترة لم أصل بعد إلى درجة «أستاذ»، لكن دعونا نفترض أنه قالها.

ثم يسألني:

— بالمناسبة… المدام ما أنجبت ابنًا بعد؟ لقد مضى على زواجكم أربعة أشهر!

فأقول له:

— يا أخي أولًا خلّص المخالفة… وبعدها نتفاهم في موضوع سعود!

وبعد أن أكملت ستة أشهر من الزواج، اجتمعت العائلة اجتماعًا رسميًا، برئاسة خالتي، وكأنهم في جلسة مجلس إدارة.

وبعد المداولة والنقاش، صدر القرار:

فايل يجب أن يتزوج امرأة أخرى، لأن زوجته لا تستطيع الإنجاب!

وصلني القرار وأنا مذهول.

قلت لهم:

— كيف لا تستطيع الإنجاب؟! ربما العيب مني أنا!

وهنا انتفضت خالتي، وقالت بكل ثقة:

— لا! نحن عائلة ولودة! انظر إلى إخوتك، كل واحد منهم لديه كتيبة من الأبناء! فهل تكون أنت الاستثناء؟

يا جماعة الخير… أنا كنت أبحث عن حل، فإذا بي أجد نفسي متهمًا بأنني خالفت قوانين العائلة الوراثية!

عشت في ذلك الوقت كابوسًا حقيقيًا.

وأنا رجل… فما بالكم بزوجتي المسكينة؟

أصبحت كلما دخلت البيت تنظر من خلف العين السحرية، وتتأكد:

«هل هذا فايل وحده؟ أم معه عروس جديدة؟!»

كانت المسألة بالنسبة لي أشبه بعملية تفتيش يومية!

لكن بعد ستة أشهر من المعاناة والانتظار والدعوات والأسئلة التي لا تنتهي…

حملت زوجتي!

وهنا لا أستطيع أن أصف لكم كمية السعادة التي غمرتني.

عندما علمت بالخبر، شعرت أنني حصلت على أغلى خبر في حياتي.

ومن شدة الفرح، ركضت من بيتي إلى بيت أهلي، والمسافة بيننا كانت قرابة ثلاثة كيلومترات!

نعم… ثلاثة كيلومترات كاملة!

ركضت وأنا طائر من الفرح، وكأنني فزت ببطولة العالم في سباق الماراثون، لا كأن زوجتي أصبحت حاملًا!

وصلت إلى بيت أهلي فجراً، ودخلت على والدتي وهي في المطبخ، وأنا أصرخ:

— امي ! جاء سعود! جاء سعود!

ومن شدة فرحتي حضنت والدتي، وكانت في تلك اللحظة تجهز القهوة، فتركت الموقد مشتعلاً، وانسكبت القهوة!

لكن صدقوني…

في تلك اللحظة لم تكن القهوة تعني شيئًا.

كان خبر سعود أكبر من القهوة، وأغلى من كل شيء.

ومنذ تلك اللحظة بدأت حكاية جديدة في حياتي…

حكاية الأبوة.

حكاية رجل كان يظن أنه يعرف كل شيء، حتى جاء ذلك الطفل الصغير ليعلّمه أن الأبوة ليست مجرد اسم يُضاف إلى بطاقة الهوية…

الأبوة مسؤولية، وحب، وخوف، وسهر، وضحك، وقلق، ومصاريف لا تنتهي!

وأنا يومها لم أكن أعرف أن ذلك الصغير الذي ركضت لأعلن قدومه…

سيكبر يومًا ويصبح سعود.

ابني الأول.

وأول شخص يجعلني أكتشف أن كلمة «أب» جميلة جدًا…

لكنها، يا جماعة الخير، غالية الثمن!

وللحديث عن سعود بقية…

فالحكاية لم تبدأ عندما وُلد…

بل بدأت يوم ركض أبوه ثلاثة كيلومترات ليعلن للعائلة:

«جاء سعود!»

ولنا لقاء آخر مع ذكريات أخرى…

وحتى ذلك اللقاء، دمتم بخير وسعادة.

مع تحيات

الولد الشقي سابقًا

الحكواتي حاليًا

صدى نيوز اس 1

Related Posts

المقال (34): عيشُ اللحظةِ.. كيف تتحرَّرُ من أسرِ الندمِ والقلقِ؟

  بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان الندمُ على الماضي والقلقُ من المستقبلِ من أكثرِ ما يستنزفُ طاقةَ الإنسانِ ويحرِمُه لذَّةَ الحاضرِ، أمّا السعادةُ الحقيقيةُ فهي أن تعيشَ لحظتَك بقلبٍ حاضرٍ مع اللهِ تعالى، وعقلٍ واعٍ بما بين يديكَ، ونفسٍ راضيةٍ بما مضى، واثقةٍ بما هو آتٍ. فالمؤمنُ يدركُ أنَّ «الآنَ» هو الميدانُ الذي يستطيعُ أن يعملَ فيه؛ أمّا الماضي فقد مضى بما فيه ولا…

لماذا يخفق القلب عند رؤية من نحب؟ 

عبدالله شراحيلي هناك أشياء لا تستطيع اللغة أن تفسّرها مهما اتسعت مفرداتها، ولعل خفقان القلب عند رؤية من نحب واحدٌ من أكثرها جمالًا وغموضًا. قد تراه فجأة، فتتغير ملامح اللحظة، ويضطرب هدوء القلب، وتتسارع النبضات، وكأن شيئًا في أعماقك كان ينتظر حضوره منذ زمن. فلماذا يحدث ذلك؟ لأننا لا نرى من نحب بأعيننا فقط؛ إنما نراه بذاكرتنا، وشوقنا، وذكرياتنا، وكل التفاصيل الصغيرة التي تركها في أرواحنا.…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مذكرات رجل مشاغب الولد الشقي سابقًا

مذكرات رجل مشاغب الولد الشقي سابقًا

المقال (34): عيشُ اللحظةِ.. كيف تتحرَّرُ من أسرِ الندمِ والقلقِ؟

المقال (34): عيشُ اللحظةِ.. كيف تتحرَّرُ من أسرِ الندمِ والقلقِ؟

لماذا يخفق القلب عند رؤية من نحب؟ 

لماذا يخفق القلب عند رؤية من نحب؟ 

“الجميري”يشارك في برنامج التهيئة الإرشادية بمتوسطة اوس بن حبيب 

“الجميري”يشارك في برنامج التهيئة الإرشادية بمتوسطة اوس بن حبيب 

محكمة الضمير 

محكمة الضمير 

جامعة جدة وجمعية عطاء الخير تدعمان الأيتام بالحقيبة والزي المدرسي

جامعة جدة وجمعية عطاء الخير تدعمان الأيتام بالحقيبة والزي المدرسي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode