الإعلامي/عادل بن محمد البكري
هناك لحظة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد أن يتعب من كثرة الصبر.
لحظة يترك خلفه كل الأصوات، ويجلس وحيدًا مع قلبه.
لا أحد يسأله عن وجعه، ولا أحد يرى المعارك التي خاضها بصمت.
هناك فقط، يمد ذراعيه إلى نفسه ويعانقها.
يعانق إنسانًا عاش أيامًا صعبة ولم يخبر أحدًا عنها.
إنسانًا أخفى دموعه حتى لا يراه الآخرون منكسرًا.
إنسانًا قال: “أنا بخير” مرات كثيرة، بينما كان داخله ينهار من الألم.
حين يعانق الإنسان ذاته، فهو يعانق كل لحظة شعر فيها بأنه وحيد.
يعانق كل خيبة كسرت شيئًا جميلًا في داخله.
يعانق كل وعد انتظره ولم يأتِ.
وكل يدٍ مدّها بثقة، ثم وجدها تعود محمّلة بوجع الخيبة.
أشد الصدمات ليست تلك التي تأتي من البعيد، بل تلك التي تأتي من أشخاص سكنوا أماكن عميقة في القلب.
من أشخاص منحناهم الأمان، فكانوا أول من جعلونا نشعر بالخوف والندم.
ومن أشخاص رأوا ضعفنا، ثم اختاروا أن يزيدوا ألمنا.
في تلك اللحظة، يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه.
يتذكر كم مرة تنازل عن راحته لأجل الآخرين.
وكم مرة أخفى حزنه حتى لا يحمل أحدًا همّه.
وكم مرة كان يحتاج إلى كلمة واحدة تطمئنه ولم يجدها.
لكنه يكتشف بعد كل هذا أن العودة إلى الذات ليست هروبًا، بل هي النجاة الأخيرة.
فالنفس التي حملت كل هذا الألم تستحق أن تُحتضن.
والقلب الذي صبر طويلًا يستحق أن يُمنح شيئًا من الرحمة.
قد تتغير الأيام، وقد تسقط بعض الأحلام، وقد تتبدل وجوه كنا نظن أنها لا تتغير.
لكن الإنسان حين يعود إلى نفسه، يجد أن هناك شيئًا لا يزال حيًّا بداخله.
شيئًا يهمس له بأن الطريق لم ينتهِ بعد.
فأحيانًا يكون أعظم عناق هو ذلك الذي يمنحه الإنسان لنفسه بعد أن أثقلته الحياة.
عناق يقول فيه لقلبه:
أعرف كم تألمت.
وأعرف كم تحملت.
لكنني لن أتركك وحيدًا بعد اليوم.
فمن بين الركام يولد أقوى إنسان.
ومن بين الدموع تنبت أكثر الأرواح صلابة.
ومن بين الانكسار يتعلم الإنسان أن أجمل عودة تكون إلى أعماقه.
وفي آخر الطريق.
يكتشف الإنسان أن الحضن الذي بحث عنه طويلًا بين الآخرين كان ينتظره في داخله.
يكتشف أن قلبه الذي ظنه ضعيفًا كان يحمل قوةً لا يعرفها، وأن روحه التي أثقلتها الجراح كانت تقاوم بصمت لتمنحه فرصة جديدة للحياة.
فليس كل انكسار نهاية، فبعض الانكسارات تأتي لتعيد ترتيب الإنسان من الداخل، وتجعله يرى نفسه بوضوح، ويعرف قيمته الحقيقية.
وحين يعانق الإنسان ذاته بصدق، فإنه لا يعانق ماضيه فقط، بل يحتضن مستقبله أيضًا.
يحتضن شخصًا أصبح أكثر نضجًا، وأكثر حكمة، وأكثر قدرة على اختيار الطريق الذي يليق به.
فبعد كل ألم يولد وعي، وبعد كل دمعة تولد قوة، وبعد كل سقوط يولد إنسان يعرف أنه أعظم انتصار في الحياة…
أن تعود إلى نفسك أقوى مما كنت، وأن تنظر إلى قلبك وتقول:
لقد انحنيتُ كثيرًا أمام الألم… لكنني لم أنحنِ أمام الحياة.






