محمد فريح الحارثي
كاتب صحفي ✍️
———————
تبذل الإدارة العامة للمرور جهوداً مشكورة في ضبط القيادة والسلامة المرورية وتسهيل حركة السير، مستعينة بأحدث التقنيات والأنظمة الذكية التي جعلت من شوارعنا بيئة أكثر أماناً وانضباطاً. ولكن، وعلى الرغم من هذا التطور التنظيمي الكبير، تظل هناك ثغرة لا يمكن للأنظمة والتقنيات وحدها أن تعالجها، وهي ثغرة “النفسيات والأنانية” لدى فئة من السائقين، ممن يرون الشارع حلبة مصارعة لإثبات الوجود، وليس طريقاً عاماً للمنفعة المشتركة!
من الأمثلة التي تمر على معظمنا؛ أن تكون تقود سيارتك بهدوء، وتقرر الانتقال إلى المسار الأيمن للخروج، وتفعل كل ما يمليه عليك العقل والنظام: تقيس المسافة، وتتأكد من سلامة الخط، ثم تضيء مؤشر الالتفاف. هنا، وفي جزء من الثانية، يحدث تحول عجيب في نفسية السائق الذي خلفك في المسار الآخر. بمجرد أن يرى إشارتك الضوئية، وكأنك ضغطت على كرامته! تجده يزيد من سرعته جنونياً فقط ليمنعك من الدخول أمامه. وإذا لم تكن سريع البديهة وتتراجع، فالمؤكد أنك ستقضي بقية يومك في ندب حظك وفي مراجعة مراكز التقدير وإنهاء إجراءات الحوادث.
المشهد يتكرر في مواقف السيارات؛ تقف منتظراً طويلاً حتى يخلو الطريق لترجع إلى الخلف وتخرج. ترى سيارة بعيدة عنك بمسافة آمنة جداً، وتبدأ بالحركة فعلياً. فجأة، يقرر صاحب السيارة البعيدة أن يسرع بجنون ليغلق عليك المنافذ ويجبرك على التوقف في منتصف الموقف، وكأن خروجك قبله سيسلب منه جزءاً من هيبته أو يفقده عِز الإنتصار!
أما الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، فهي “الدوارات”. الدوار في عرف المرور والهندسة هو لتسهيل الحركة وانسيابيتها، لكنه في واقع الممارسة تحول عند البعض إلى ميدان لمصارعة الثيران. تدخل الدوار وأنت مُتسلح بأعلى درجات اليقظة تلتفت يمنة ويسرة، متوتراً، يدك على البوق وعينك على المرايا، لا تدري من أين سيندفع نحوك أحدهم مصادراً حقك في الأفضلية. وفي تلك اللحظة الحرجة، التي تقرر فيها أن تكون شجاعاً وممتثلاً لأصول وقواعد القيادة، يتجلى أمامك المثل القديم بكامل حكمته الساخرة: *”إيش درا الثور إني عنتر?!”*.
بالتأكيد، شوارعنا لا تخلو من السائقين الواعين، أولئك الذين يستثمرون مع الله ويفسحون لك الطريق بإيثارهم اللطيف وأدبهم الرفيع، مذكريننا بأن أدب القيادة ليس مجرد الالتزام بتجنب المخالفات، بل هو في الذوق والمراعاة أولاً. الشارع يتسع للجميع، والتنازل عن بضعة أمتار ليمر أخوك المسلم لن ينقص من كرامتك شيئاً. القيادة أخلاق، وقبل أن ندير محركات سياراتنا، نحن بحاجة ماسة لتهذيب نفوسنا، فالمسألة تبدأ من وعي الإنسان خلف المقود، لتصبح الشوارع مكاناً آمناً نلتقي فيه بسلام، لا ميداناً للسباق والأنانية والعناد.






