الدكتورة التي قالت للحكواتي: اكتب
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
هناك أشخاص نعبر معهم طريق الحياة، وهناك أشخاص يتركون في الطريق علامة لا تُمحى.
وعندما أتحدث عن الذين مهدوا لنا الطريق، أو أولئك الذين رأوا فينا شيئًا ربما لم نكن نراه في أنفسنا، فإنني لا أستطيع أن أمر مرور الكرام على شخصية أدبية وإنسانية كان لها أثر واضح في مسيرتي، وهي الدكتورة زينب علي درويش؛ الكاتبة والشاعرة والإعلامية.
عرفت الدكتورة زينب في صحيفة نبض العرب، ومنذ البداية لفتني فيها ذلك النشاط الذي لا يهدأ، وذلك الشغف بالأدب والمبدعين. كنت أراها مثل نحلة نشيطة، لا تتوقف عن البحث بين الزهور، لكن زهورها لم تكن من النوع الذي يُقطف ويوضع في مزهرية؛ كانت تبحث عن المواهب والمبدعين، لتأخذ بأيديهم وتمنحهم فرصة للظهور.
ثم جاءت مرحلة صحيفة إبداع السعودية، حيث أصبحت نائب مدير المجلس الإعلامي، وهناك استمرت الحكاية نفسها؛ نشاط، وحضور، واهتمام بالأدب، وإيمان بأن المبدع يحتاج أحيانًا إلى من يقول له: تفضل… مكانك هنا.
وهذه في رأيي واحدة من أجمل صفات الإنسان: أن يفرح بنجاح الآخرين كما يفرح بنجاحه.
والدكتورة زينب من الشخصيات التي تؤمن بأن الأدب ليس مجرد كلمات تُصف على الورق، وإنما مسؤولية ورسالة وعطاء.
ومن خلال معرفتي بها، تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يقدم الكثير للآخرين دون أن ينتظر منهم شيئًا، وأن كلمة تشجيع في وقتها قد تفعل ما لا تفعله عشرات الكلمات بعد فوات الأوان.
وأنا شخصيًا، أحمد الله عز وجل على كل من أخذ بيدي في مسيرتي، وكانت الدكتورة زينب واحدة ممن كان لهم أثر في تطوير أدواتي الكتابية، وفي تشجيعي على الاستمرار.
لكن هنا، اسمحوا لي أن أكشف سرًا صغيرًا…
وسأقوله بهدوء، فبعض الأسرار الأدبية أجمل عندما تُروى بأدب الحكواتي!
الدكتورة زينب علي درويش هي صاحبة فكرة أن أكتب سلسلة «الولد الشقي».
نعم، هي التي قالت للحكواتي:
اكتب.
ومن هنا بدأت الحكاية.
بدأت أسترجع أيام الولد الشقي، ومغامراته، ومواقفه، وبعض تلك التصرفات التي كانت في نظر ذلك الولد وقتها مجرد مغامرات بريئة، بينما كان الوالد رحمه الله ينظر إليها بعين الأب الذي يريد لابنه أن يكبر رجلًا يعرف قدر المسؤولية، ويحفظ للبيت هيبته، ويعرف أن الشقاوة لها حدود، وأن للوالد كلمة مسموعة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
كان الوالد رحمه الله رجلًا له حضوره وهيبته، وكانت كلمته ميزانًا في البيت، ولذلك فإن كثيرًا من مغامرات الولد الشقي بقيت في الذاكرة، بعضها أرويه اليوم بابتسامة، وبعضها أكتفي بأن أتركه في مكانه الجميل من الماضي… احترامًا لهيبة ذلك الرجل الذي كان والدي.
ومع مرور الوقت، كبر الولد الشقي، وكبرت معه الحكايات، حتى وجدنا أنفسنا أمام الرجل المشاغب.
وهكذا تحولت الذكريات من مجرد مواقف عابرة إلى مذكرات، ومن شقاوة الطفولة إلى تجارب رجل ينظر اليوم إلى الماضي بابتسامة، وأحيانًا أقول لنفسي:
يا سبحان الله… من اين لي كل تلك المغامرات؟!
والحقيقة أن الدكتورة زينب لم تكن مجرد صاحبة فكرة، بل كانت من المشجعين على استمرار هذه التجربة، وما زالت تقول لي إن هناك الكثير من الحكايات التي لم تُكتب بعد.
وهنا تكمن قيمة الإنسان الذي يشجعك على الكتابة؛ فهو لا يكتب نيابة عنك، لكنه يساعدك على اكتشاف ما بداخلك.
لذلك، عندما أكتب عن الدكتورة زينب علي درويش، فأنا لا أكتب عن كاتبة وشاعرة وإعلامية فحسب، وإنما أكتب عن إنسانة آمنت بأن الأدب يستطيع أن يفتح الأبواب أمام أصحابه، وأن المبدع يستحق أن يجد من يشجعه ويمنحه الثقة.
ولعل أجمل ما يمكن أن أقوله لها هو:
شكرًا لأنك قلتِ للحكواتي:
اكتب.
فكتب.
وشكرًا لأنك قلتِ له:
أكمل.
فما زال يكمل.
أما الحكايات التي لم تُكتب بعد، فما زالت تنتظر دورها، والحكواتي لا يزال يفتش في دفاتر الذاكرة؛ وكلما وجد حكاية قال: هذه تصلح للنشر… ثم يتذكر أن وراء كل حكاية شخصًا قد يعرف نفسه فيها، فيبدأ بمراجعة النص مرتين!
وفي النهاية، تبقى بعض الأسماء في ذاكرتنا مرتبطة بموقف جميل، أو كلمة صادقة، أو دفعة صغيرة غيّرت شيئًا في حياتنا.
والدكتورة زينب علي درويش واحدة من هذه الأسماء.
لها مني كل التقدير والاحترام، وكل الشكر على ما قدمته للأدب والمبدعين، وعلى تلك الكلمة التي ربما قالتها ببساطة، لكنها بالنسبة للحكواتي كانت بداية حكاية طويلة:
اكتب…
فكتب الحكواتي.
وما زال يكتب.
ودمتم بخير ومحبة.
مع تحيات
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا.






