قصة إنسان بدأت من مقعدٍ بسيط، وانتهت عند سؤالٍ أكبر: ماذا صنعت رؤيتنا في الإنسان؟
مقال رأي / الإعلامي خضران الزهراني
عاشق القلم
في صباحٍ عادي، جلس شابٌ في آخر مقعد داخل قاعة تدريب، يحمل دفترًا قديمًا وقلمًا بسيطًا، بينما كان من حوله يتحدثون عن المستقبل.
كان صامتًا.
لم يكن يملك شهادة كبيرة، ولا منصبًا، ولا علاقات تفتح له الأبواب.
وحين سأله المدرب:
«ماذا تريد أن تكون بعد سنوات؟»
خفض رأسه قليلًا، ثم قال:
«أريد فقط أن أشعر أن لي قيمة.»
لم تكن الإجابة عن وظيفة.
كانت إجابة إنسان يبحث عن مكانه في الحياة.
مرت السنوات، وتغيرت أشياء كثيرة.
تعلم.
تدرب.
أخطأ.
بدأ من جديد.
ثم وجد فرصة لم يكن يتخيل أنها ستصل إليه.
لم يصبح مشهورًا، ولم تتحول حياته إلى قصة ثراء، لكنه أصبح شخصًا يساعد غيره على الوصول.
وفي يوم من الأيام، عاد إلى المكان نفسه الذي بدأ منه، ورأى شابًا يجلس في المقعد الأخير.
اقترب منه وسأله:
«ماذا تريد أن تكون؟»
أجابه الشاب بالخجل:
«أريد أن أنجح.»
ابتسم وقال له:
«لا تبحث فقط عن النجاح… ابحث عن الأثر الذي سيبقى منك بعد النجاح.»
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
رؤية لا تقيس المستقبل بالأرقام وحدها
عندما نتحدث عن رؤية السعودية 2030، نتحدث عن اقتصاد متنوع، ومجتمع حيوي، وفرص، وتمكين، وجودة حياة، وسياحة، وثقافة، وريادة أعمال، وتطوع، وتنمية شاملة.
لكن خلف كل هذه المستهدفات يوجد مستهدف أكبر لا يظهر دائمًا في الجداول والأرقام:
الإنسان.
فالطريق إلى المستقبل لا يُبنى بالمشروعات وحدها، بل بالإنسان الذي يديرها، والمبدع الذي يبتكر، والشاب الذي يجد فرصته، والمتطوع الذي يمنح وقته، والإعلامي الذي ينقل الحقيقة بمسؤولية، والمواطن الذي يشعر أن له دورًا في صناعة وطنه.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا:
هل نقيس نجاح التنمية بما أُنجز فقط، أم بما تغير في حياة الإنسان؟
القصة التي لا تظهر في التقارير
قد تذكر الأرقام عدد الفعاليات، ونسب النمو، وحجم المشاريع، وعدد الفرص.
لكن الرقم لا يستطيع أن يخبرنا عن شاب كان على وشك التخلي عن حلمه ثم وجد فرصة.
ولا يستطيع أن يصف فرحة أسرة رأت ابنها يحصل على وظيفة كان ينتظرها.
ولا يستطيع أن يروي قصة فتاة اكتشفت موهبتها في برنامج تدريبي، ثم تحولت موهبتها إلى مشروع.
ولا يستطيع أن يصف متطوعًا قضى ساعات من وقته لخدمة الآخرين دون أن ينتظر مقابلًا.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الأرقام معناها.
فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر الإنسان أن المستقبل ليس شيئًا يحدث حوله، بل شيئًا يستطيع أن يكون جزءًا منه.
وهنا يأتي دور الإعلام
الإعلام ليس مجرد خبر يُنشر وينتهي.
الإعلام الحقيقي هو عين المجتمع وذاكرته وصوته.
وعندما يتغير الوطن بسرعة، تصبح مسؤولية الإعلام أكبر؛ لأن عليه ألا يكتفي برصد المشهد، بل أن يقرأ معناه، ويكشف قصص النجاح، ويمنح أصحاب الإنجاز حقهم، ويطرح الأسئلة المهنية، ويضع المعلومة أمام الناس بصدق ووعي.
الإعلامي لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للحدث.
بل شاهدًا على التحول.
يذهب إلى المكان، يرى الإنسان، يسمع القصة، يبحث عن الحقيقة، ثم يكتب.
وهنا يصبح القلم جزءًا من صناعة الوعي.
من الباحة تبدأ الحكايات الصغيرة
في مناطق المملكة، ومنها منطقة الباحة، هناك قصص لا تحتاج إلى ضوء كبير حتى تكون عظيمة.
مزارع يعتني بمحصوله ويحلم بتوسيع إنتاجه.
شاب يطلق مشروعًا صغيرًا ويقاتل من أجل بقائه.
حرفي يحافظ على مهنة ورثها عن آبائه.
متطوع يضع وقته في خدمة مجتمعه.
مرشد سياحي يعرّف الزائر بتاريخ المكان.
وأسرة تستثمر في موهبة أحد أبنائها حتى تصبح مصدرًا للمستقبل.
هذه ليست قصصًا هامشية.
هذه هي التنمية عندما تصل إلى الإنسان.
المستقبل لا ينتظر المتفرجين
من أكبر التحولات التي صنعتها رؤية 2030 أنها دفعت كثيرًا من أفراد المجتمع من موقع المتلقي إلى موقع الشريك.
لم يعد السؤال:
«ماذا سيُفعل لنا؟»
بل أصبح:
«ماذا نستطيع أن نفعل؟»
وهذا التحول في التفكير ربما يكون من أهم مكاسب المرحلة.
أن يؤمن الشاب بقدرته.
أن تبدأ المرأة مشروعها.
أن يشارك المتطوع في خدمة مجتمعه.
أن يتحول الموهوب إلى منتج.
أن يصبح المكان السياحي فرصة اقتصادية وثقافية.
وأن يتحول الإعلام من مجرد تغطية الحدث إلى صناعة الوعي حول قيمته.
القلم الذي أؤمن به
أنا لا أكتب لأن الورق يحتاج إلى كلمات.
أكتب لأن هناك قصصًا تستحق أن تُروى.
وأؤمن أن القلم عندما يكون صادقًا يستطيع أن يمنح الإنسان مساحة للظهور، وأن يجعل الإنجاز الذي مرّ بصمت يصل إلى من يستحق أن يراه.
عاشق القلم لا يبحث عن التصفيق بقدر ما يبحث عن الحقيقة.
فالصحافة بالنسبة لي ليست سباقًا في نشر الخبر قبل الآخرين، وإنما مسؤولية في أن يكون الخبر جديرًا بالثقة، وأن تكون الكلمة جديرة بأن تُقرأ.
الخاتمة: ماذا سنترك؟
ربما يأتي يوم تتغير فيه تفاصيل كثيرة من حياتنا.
تتغير المناصب.
تتبدل التقنيات.
تتطور المدن.
وتأتي أجيال جديدة لا تعرف أسماء كثير ممن صنعوا البدايات.
لكن هناك شيئًا واحدًا يبقى:
الأثر.
ذلك الشاب الذي وجد فرصة.
ذلك المشروع الذي بدأ صغيرًا ثم كبر.
ذلك المتطوع الذي خدم مجتمعه.
ذلك المزارع الذي حافظ على أرضه.
ذلك الإعلامي الذي نقل قصة إنسان لم يكن أحد يعرفها.
كل هؤلاء جزء من قصة وطن أكبر.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن نفعله اليوم ليس أن نسأل فقط:
كم أنجزنا؟
بل أن نسأل:
كم إنسانًا منحناه فرصة؟
كم حلمًا ساعدناه على أن يولد؟
كم موهبة اكتشفناها؟
وكم أثرًا جميلًا سنتركه للأجيال القادمة؟
فالوطن لا تبنيه المشاريع وحدها…
يبنيه الإنسان الذي يؤمن بأنه قادر على أن يصنع الفرق.
وهذه هي الحكاية التي تستحق أن تُكتب.
ليست حكاية أرقام فقط…
بل حكاية وطنٍ يصنع مستقبله بالإنسان، ويكتب حضوره بالإنجاز، ويترك للأجيال إرثًا من الطموح والعمل والأثر.








