المعلم القائد

 

أ. شقرا دغريري ‐ جازان

في كل صف دراسي، هناك فرصة عظيمة لا تُقاس بحجم المنهج أو عدد الحصص، بل بعمق الأثر الذي يتركه المعلم في نفوس طلابه. وبينما ينشغل البعض بتسليم المقررات، ينشغل “المعلم القائد” ببناء الإنسان، لا فقط تعليمه.

المعلم القائد لا يبدأ بالمنهج، بل بالإنسان.

هو من يرى الطالب في زحمة الأسماء، ويمنحه شعورًا بالأمان والانتماء.

حين يشعر الطالب أنك تراه، يسمعك.

وحين يشعر أنك تصدق فيه، يصدق هو في نفسه.

وحين يشعر بالثقة، يجرؤ على المحاولة، حتى لو أخطأ.

البيئة الصفية ليست مجرد ترتيب كراسي وسبورة، بل هي جو عاطفي ونفسي وثقافي يُؤسس في كل دقيقة.

المعلم القائد يصنع بيئة:

• يُخطئ فيها الطالب دون أن يخجل.

• يُسأل فيها دون أن يخاف.

• يُضحك فيها دون أن يُسخر منه.

ليس المطلوب أن يكون الصف هادئًا دومًا، بل أن يكون حيًّا، آمنًا، ومنفتحًا على التجربة.

يقولون إن الطالب قد ينسى ما قيل له، لكنه لا ينسى أبدًا كيف يشعر داخل الصف.

وهذا هو جوهر البيئة الصفية: الشعور.

ليس كيف ندرّس فقط، بل كيف نُشعر طلابنا وهم معنا.

في كل يوم، يحمل الطالب إلى الصف حقيبة، ولكنها لا تحتوي فقط على كتب وأقلام، بل على مزاجه، وهمومه، وحواره الصباحي مع والديه، وحتى مشاعر الخذلان أو الخوف التي قد لا نراها.

وحين يدخل الصف، ينتظر أن يجد مكانًا يشعر فيه بالاتزان والراحة، لا بمزيد من الضغط أو الاضطراب.

المعلم القائد يدرك أن البيئة الصفية لا تُخلق صدفة، بل تُبنى يومًا بعد يوم، بكلمة ولغة جسد ونبرة صوت وابتسامة وموقف.

إنها قرارات صغيرة لكنها مستمرة:

• أن أرحّب به دون أن أختبره.

• أن أُقدّر مشاركته حتى لو كانت بسيطة.

• أن أتفهّم صمته قبل أن أفسّره بالكسل.

• أن ألاحظ تعبه قبل أن أحكم عليه بالتمرد.

في كل عام دراسي، نغلق دفاتر ونسلّم أوراقًا… لكن الحقيقة أن أعظم ما نكتبه هو في قلوب طلابنا.

المعلم القائد لا يقيس أثره بإنجازات واضحة دائمًا، بل بالثقة التي زرعها، والإيمان الذي بعثه، والشغف الذي أيقظه في نفوس من علّمهم.

القيادة ليست موقعًا بل أسلوب حياة، فإن كل خطوة نحو الوعي، كل قرار بالتهذيب، كل لحظة إصغاء، هي تدريب على أن نكون معلمين قادة… لا بسلطة، بل بقيمة، ولا بخوف، بل بحب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الابتعاد آخر فضائل الحكمة

  كتب حمد دقدقي ليست كل الطرق التي نفترق عندها مفروشةً بالكراهية، ولا كل الأبواب التي نغلقها تُوصَد بالغضب. ثمة أبواب يغلقها الوعي حين يستيقظ متأخرًا، بعدما يكتشف القلب أن بعض الرفقة لم تكن إلا ظلالًا عابرة، وأن بعض القرب كان ازدحامًا حول الروح لا سكنًا فيها. فالإنسان، كلما تقدم به العمر، لم يعد يقيس ثراء حياته بعدد الوجوه التي يعرفها، بل بعدد الأرواح التي تمنحه…

الأشرعة التي لا تهزمها الرياح

  كتب حمد دقدقي ليست الحياة امتحانًا في صفاء الريح، بل في مهارة الإبحار. فمنذ أن عرف الإنسان البحر، أدرك أن الأمواج لا تستأذن، وأن الرياح لا تقرأ خرائط الرغبات، وأن الأفق لا يمنح أسراره لمن يقف على الشاطئ مكتوف الأمنيات. لذلك لم يكن السؤال يومًا: إلى أين تهب الريح؟ بل: كيف نمضي إليها دون أن نفقد بوصلتنا؟ يقال إن المتشائم يشكو من اتجاه الريح، والمتفائل…

لقد فاتك ذلك

إطلاق أغنية «علّموني كيف أسلى حب جدة» بتعاون سعودي أردني

إطلاق أغنية «علّموني كيف أسلى حب جدة» بتعاون سعودي أردني

سلطان المسعري يحصد الماجستير التنفيذي في الإدارة العامة من جامعة الملك سعود

سلطان المسعري يحصد الماجستير التنفيذي في الإدارة العامة من جامعة الملك سعود

مصر وزير الرياضة يوجّه بفتح تحقيق عاجل وفوري في شكوي لاعب كرة القدم المستبعد بسبب اسمه

مصر وزير الرياضة يوجّه بفتح تحقيق عاجل وفوري في شكوي لاعب كرة القدم المستبعد بسبب اسمه

وجهة مسار تستضيف جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة تفاعلية مُسْتوحاةٍ من المائدة النبوية

وجهة مسار تستضيف جمعية الأطفال ذوي الإعاقة في تجربة تفاعلية مُسْتوحاةٍ من المائدة النبوية

تكليف المهندس عبدالعزيز الحارثي مساعدًا لمدير عام تعليم الطائف

تكليف المهندس عبدالعزيز الحارثي مساعدًا لمدير عام تعليم الطائف

صحيفة صدى نيوز اس تُثمّن توثيق الشراكة الإعلامية مع نادي ملتقى المبدعين الثقافي عبر منصة هاوي

صحيفة صدى نيوز اس تُثمّن توثيق الشراكة الإعلامية مع نادي ملتقى المبدعين الثقافي عبر منصة هاوي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode