الرئيسية مقالات المعلم القائد

المعلم القائد

315
0

 

أ. شقرا دغريري ‐ جازان

في كل صف دراسي، هناك فرصة عظيمة لا تُقاس بحجم المنهج أو عدد الحصص، بل بعمق الأثر الذي يتركه المعلم في نفوس طلابه. وبينما ينشغل البعض بتسليم المقررات، ينشغل “المعلم القائد” ببناء الإنسان، لا فقط تعليمه.

المعلم القائد لا يبدأ بالمنهج، بل بالإنسان.

هو من يرى الطالب في زحمة الأسماء، ويمنحه شعورًا بالأمان والانتماء.

حين يشعر الطالب أنك تراه، يسمعك.

وحين يشعر أنك تصدق فيه، يصدق هو في نفسه.

وحين يشعر بالثقة، يجرؤ على المحاولة، حتى لو أخطأ.

البيئة الصفية ليست مجرد ترتيب كراسي وسبورة، بل هي جو عاطفي ونفسي وثقافي يُؤسس في كل دقيقة.

المعلم القائد يصنع بيئة:

• يُخطئ فيها الطالب دون أن يخجل.

• يُسأل فيها دون أن يخاف.

• يُضحك فيها دون أن يُسخر منه.

ليس المطلوب أن يكون الصف هادئًا دومًا، بل أن يكون حيًّا، آمنًا، ومنفتحًا على التجربة.

يقولون إن الطالب قد ينسى ما قيل له، لكنه لا ينسى أبدًا كيف يشعر داخل الصف.

وهذا هو جوهر البيئة الصفية: الشعور.

ليس كيف ندرّس فقط، بل كيف نُشعر طلابنا وهم معنا.

في كل يوم، يحمل الطالب إلى الصف حقيبة، ولكنها لا تحتوي فقط على كتب وأقلام، بل على مزاجه، وهمومه، وحواره الصباحي مع والديه، وحتى مشاعر الخذلان أو الخوف التي قد لا نراها.

وحين يدخل الصف، ينتظر أن يجد مكانًا يشعر فيه بالاتزان والراحة، لا بمزيد من الضغط أو الاضطراب.

المعلم القائد يدرك أن البيئة الصفية لا تُخلق صدفة، بل تُبنى يومًا بعد يوم، بكلمة ولغة جسد ونبرة صوت وابتسامة وموقف.

إنها قرارات صغيرة لكنها مستمرة:

• أن أرحّب به دون أن أختبره.

• أن أُقدّر مشاركته حتى لو كانت بسيطة.

• أن أتفهّم صمته قبل أن أفسّره بالكسل.

• أن ألاحظ تعبه قبل أن أحكم عليه بالتمرد.

في كل عام دراسي، نغلق دفاتر ونسلّم أوراقًا… لكن الحقيقة أن أعظم ما نكتبه هو في قلوب طلابنا.

المعلم القائد لا يقيس أثره بإنجازات واضحة دائمًا، بل بالثقة التي زرعها، والإيمان الذي بعثه، والشغف الذي أيقظه في نفوس من علّمهم.

القيادة ليست موقعًا بل أسلوب حياة، فإن كل خطوة نحو الوعي، كل قرار بالتهذيب، كل لحظة إصغاء، هي تدريب على أن نكون معلمين قادة… لا بسلطة، بل بقيمة، ولا بخوف، بل بحب.