الرئيسية مقالات منصات الظل.. كيف يصنع الإعلام الموازي أزمات من العدم؟

منصات الظل.. كيف يصنع الإعلام الموازي أزمات من العدم؟

622
0

بقلم : كمال فليج  _ الجزائر

في عالم تتسارع فيه وتيرة النشر وتختصر المسافات بين الحدث والجمهور، برزت ظاهرة «منصات الظل» كقوة ناعمة قادرة على تحويل خبر عابر إلى أزمة شاملة في ساعات. هذه المنصات — التي تعمل خارج الأُطر المهنية والقانونية — تستخدم تقنيات رقمية وأساليب نفسية لصناعة روايات مزيفة أو مبالغ فيها تهدف إلى زعزعة الثقة وإشعال الاحتقان الاجتماعي.

سرعة الانتشار والقدرة على الاستهداف الدقيق جعلا من الإعلام الرقمي فضاءً خصبًا لحملة من تديرهم أجندات خفية. تبدأ العملية عادة بنشر معلومة ملفقة أو صورة أو تسجيل محرّف عبر حسابات تبدو محلية، ثم تُسرّع شبكات من الحسابات الوهمية والمُعاد توزيعها عبر مؤثرين مموّهين إلى تضخيم الرسالة. النتيجة: تحول الخبر إلى «قضية رأي عام» قبل أن تتاح للمؤسسات فرصة الردّ أو توضيح الحقيقة.

تعتمد منصات الظل على مزيج من التكتيكات: إنشاء حسابات مزيفة، استخدام الروبوتات لرفع نسبة المشاهدة، وإنشاء محتوى مضلل يبدو وثيقًا بالمصداقية عبر مزج جزء من الحقيقة مع أكاذيب مدروسة. تُستغل خوارزميات المنصات الاجتماعية التي تُعلي من شأن المحتوى المثير والعاطفي، ما يسمح للرسائل السلبية بالانتشار بسرعة أكبر من التصحيحات الهادئة.

تنجح هذه الحملات لأنّها تستهدف نقاط ضعف نفسية واجتماعية: الخوف، الغضب، والحس بالظلم. في ظروف الأزمات — سياسياً أو اقتصادياً أو صحياً — يكون الجمهور أكثر عرضة لتصديق روايات بسيطة تُلبّي مشاعره، فتنتشر الشائعات كالنار في الهشيم. ضعف الثقافة الإعلامية لدى شرائح واسعة من الجمهور يسرّع هذه الدورة ويقلّل من فعالية الردود الرسمية.

ليس من الضروري أن تأتي الأزمات من مؤامرات معقّدة؛ كثير منها يبدأ بسخرية أو مزحة محولة إلى «خبر» ثم إلى تحريض. التداعيات قد تكون مباشرة (اشتباكات في الشارع، حملات تشهير، تعطيل خدمات عامة) أو بعيدة المدى (تآكل ثقة الجمهور بالمؤسسات، تدهور المناخ الاجتماعي، تعطيل سياسات عامة هامة).

مواجهة المشكلة؟  المواجهة لا تتركز في حظر أو قمع فحسب؛ بل في مزيج من الإجراءات:

تعزيز الإعلام المهني المستقل وتوفير منصات تواصل شفافة للقائمين على الشأن العام.

حملات توعية مستمرة لترسيخ مهارات التحقق لدى الجمهور (كيف أتحقق من المصدر؟ متى أشك في صورة أو تسجيل؟).

تعاون تقني مع منصات التواصل لرصد الشبكات الممنهجة وإيقافها مبكراً، مع ضمانات تحفظ حرية التعبير.

وحدات استجابة سريعة داخل المؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام تردّ بالحقائق سريعًا وبأسلوب يُحترم عقل الجمهور.

كل مشاركة عشوائية تجعل المادة المضلّلة أقوى. لذا تتحول كل مشاركة واعية — بسيطة مثل التحقق قبل إعادة النشر — إلى سلاح في مواجهة هذه الحرب المعلوماتية. الإعلام الموازي يُهزم عندما يصبح المواطن أنيقاً في تدقيقه وصبوراً في استجاباته.

ختاما منصات الظل قادرة على صناعة أزمات من العدم لأنها تستغل ظروف الضعف المعرفي والاجتماعي. الحلول عملية ومتشعبة: بناء إعلام قوي، مدني واعٍ، وتقنيات فعالة لمكافحة التضليل، إلى جانب قوانين ذكية توازن بين الحماية وحرية الرأي. تبقى الحقيقة حليف المجتمع الوحيد، وصونها يتطلب يقظة مشتركة من الدولة، الإعلام، والمواطن.