الرئيسية مقالات أهكذا تختلف أخلاقنا.. حين نختلف مع الآخرين؟

أهكذا تختلف أخلاقنا.. حين نختلف مع الآخرين؟

413
0

 

اللواء م/ محمد فريح الحارثي

نعم، هكذا أنا، وهكذا أنت، عزيزي القارئ. في ساعات الوفاق، نبدو كالحلم؛ نتحلى بالصبر، نغلف الكلمات بلين، ونوسع صدورنا لكل تفسير. لكن واقع الخلاف يكشف عن الوجه الاخر. فجأةً، نُظهر الغضب، نرفع الصوت، ونُقلل الاحترام، وكأن الخلاف مبررٌ لسوء الخلق. لكننا حين نُخالف من نحب، نُحسن الظن، نلتمس الأعذار، ونجيد التودد. فهل الأخلاق تُمنح حسب العلاقة؟ أم تُثبت في لحظة الاختبار الحقيقية: لحظة الاختلاف؟

في هذه اللحظات، تنكشف المعادن، وتظهر الأخلاق على حقيقتها. كم من موقف بسيط تحوّل إلى خصومة مريرة، لا لأن القضية تستحق، بل لأننا اخترنا أن نُظهر أسوأ ما فينا. نُسرع كالشرر إلى الغضب، ونرفع أصواتنا كأننا في ساحة معركة، ونتقن فن التجاهل. بينما نكون على النقيض تمامًا مع من نحرص على ودهم، فنغلف أخطاءهم برداء الودّ ونختلق لها الف عذر.

وهنا تتجلّى حكمة النبي ﷺ في تشبيهه البليغ: “إنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفسِدُ العَمَلَ، كما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ.”

فما قيمة العمل إن أفسده الغلظة؟ وما نفع الرأي إن غطّاه سوء التعامل؟

فكيف نحافظ على عسل أخلاقنا من أن يفسده خَلُّ الغضب؟

· لحظة صمت: قبل أن تتكلم، خذ نفسًا عميقًا. تذكر أن كلماتك ستبقى أطول من لحظة غضبك.

· غير الإطار: انظر إلى الخلاف على أنه حوار للوصول للحقيقة، وليس معركة لإثبات الذات.

· افصل الرأي عن الشخص: يمكنك رفض الفكرة دون أن ترفض الإنسان الذي يحملها.

فلا تُفسد موقفًا نقيًا بسلوكٍ مُرّ، ولا تجعل اختلافك سببًا لانكشاف ما كنت تُخفيه من سوء. فالاختلاف لا يُبرر الإساءة، بل هو المحك الذي يُختبر فيه صدق الأخلاق وحقيقتها.

فلنراجع أنفسنا اليوم، ليس في هدوء مساءاتنا، بل في حرارة مواقفنا اليومية. هل نعامل الناس بعدل في أخلاقنا؟ أم أن أخلاقنا تتقلب حسب هوى النفس؟ تذكر أن قيمة المرء لا تُعرف حين يكون كل شيء على هواه، بل حين تكون الأمور على غير هواه. فلتكن أخلاقنا هي الصخرة الثابتة التي تتحطم عليها أمواج الخلاف، لا الورقة التي تحملها رياح الهوى.