العقليات بين الثبات والنمو: كيف نصنع التقدّم في العمل و الحياة ؟

د.ميسان علي بُخاري/ مستشار إداري و تطويري.

في مشهدٍ تتسارع فيه التحوّلات المهنية والاجتماعية، يبرز سؤال جوهري: لماذا ينجح بعض الأفراد والمؤسسات في التقدّم المستمر، بينما يظل آخرون عالقين في المكان ذاته رغم توافر الفرص؟

الإجابة، في كثير من الأحيان، لا تكمن في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل في العقلية التي تحكم طريقة التفكير والتعامل مع التحديات.

عقلية الثبات: عندما يتحوّل الخوف إلى قيد

تعتمد عقلية الثبات على قناعة أن القدرات والمهارات صفات ثابتة لا يمكن تغييرها, واذاك أُطلق عليها “عقلية “الحَجرة” لجمودها و تحجُرها و ضعف قدرتها على التغيير و التحسين. أصحاب هذه العقلية يميلون إلى تجنّب المخاطرة، ويخشون الفشل لأنه يُفسَّر لديهم كدليل نقص، لا كفرصة تعلّم.

في بيئة العمل، تتجلّى هذه العقلية في مقاومة التغيير، والتمسّك بالأساليب التقليدية، والانسحاب أمام التحديات الجديدة. أما في الحياة، فتُقيّد الإنسان داخل دائرة ضيقة من التجارب، ما يقلّل فرص النمو ويضعف الطموح على المدى البعيد.

عقلية النمو: الوقود الحقيقي للتقدّم

في المقابل، تنطلق عقلية النمو “عقلية الشجرة” من إيمان راسخ بأن الإنسان قادر على التطوّر المستمر عبر التعلّم والمثابرة. الخطأ هنا ليس نهاية الطريق، بل خطوة ضرورية في مسار التقدّم.

أصحاب هذه العقلية أكثر استعدادًا لتقبّل النقد البنّاء، وتطوير مهاراتهم، واستكشاف فرص جديدة.

وفي العمل، يظهر أثرها في الابتكار، ورفع مستوى الأداء، وبناء فرق أكثر مرونة وتعاونًا. أما في الحياة، فتمنح صاحبها قدرة أعلى على التكيّف، وصبرًا أطول في مواجهة التحديات.

بين الثبات والنمو: كيف يتشكّل الفرق؟

الفرق بين العقليتين لا يظهر في الظروف السهلة، بل في طريقة التعامل مع الضغط والفشل والتغيير.

فالعقلية الثابتة تسأل: هل أستطيع؟

بينما تسأل عقلية النمو: كيف أستطيع أن أتعلم؟

وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي؛ إذ يصبح التقدّم نتيجة تراكم خيارات صغيرة يومية، لا قرارًا واحدًا مفاجئًا.

*دور المؤسسات والأفراد في صناعة التقدّم:

المؤسسات التي تشجّع عقلية النمو تخلق بيئات عمل آمنة للتجربة والتعلّم، وتستثمر في تطوير موظفيها بدل الاكتفاء بتقييمهم. في المقابل، تقع مسؤولية الفرد في مراجعة قناعاته، وتحدّي أفكاره المقيِّدة، وتحويل الإخفاق إلى درس عملي.

فالتقدّم لا يُمنح، بل يُصنع عبر وعي مستمر بالعقلية التي نقود بها حياتنا ومهنتنا.

الخلاصة:

إن الانتقال من عقلية الثبات إلى عقلية النمو ليس شعارًا تحفيزيًا، بل خيارًا واعيًا ينعكس على جودة العمل وعمق الحياة. وحين نغيّر طريقة تفكيرنا، نغيّر مسارنا بالكامل.

ففي نهاية المطاف، التقدّم لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه العقليات القادرة على التعلّم، والتكيّف، والاستمرار.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

قلوب دافئة

عبدالله شراحيلي في هذا العالم الذي ازدحمت فيه المشاعر، وقلّت فيه الكلمات الصادقة، ما زالت هناك قلوبٌ دافئة تشبه الضوء؛ لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تمنح من حولها شيئًا من الطمأنينة. هناك أشخاص لا يحتاجون إلى مناسبة كي يسألوا عنك، ولا ينتظرون منك طلبًا حتى يمدوا أيديهم، ولا يحضرون في حياتك ليأخذوا شيئًا؛ يكفيهم أن يروا ابتسامتك ليطمئنوا، وأن يشعروا بتعبك ليقتربوا. القلوب الدافئة لا تُقاس بكثرة…

سياج الروح قبل السلاح:  كيف نحمي أوطاننا من طعنات الداخل؟

بقلم الدكتور/ خالد عمر محمد العمودى :جدة:- طالما ترددت على ألسنتنا عبارة “وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه”، لكن المعنى السائد للحماية ظل لسنوات طوال محصورًا في الصورة الذهنية للبندقية والزي العسكري. والحقيقة التي تكشفها تجارب الشعوب هي أن السلاح يحمي الحدود، أما الروح والمستقبل فتصونهما عقول أبنائه وتماسكهم. إن أخطر الحروب المعاصرة لم تعد تعتمد على الدبابات، بل على اختراق العقول وزرع بذور الشقاق…

لقد فاتك ذلك

نائب أمير منطقة جازان يشارك منسوبي الإمارة الاحتفاء باليوم الوطني

نائب أمير منطقة جازان يشارك منسوبي الإمارة الاحتفاء باليوم الوطني

في أجواء وطنية مفعمة بالولاء والانتماء. فرع وزارة الصحة بمنطقة جازان يحتفي باليوم الوطني السعودي 

في أجواء وطنية مفعمة بالولاء والانتماء. فرع وزارة الصحة بمنطقة جازان يحتفي باليوم الوطني السعودي 

بيئة رنية : تنفذ مبادرة وطنية بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ 96

بيئة رنية : تنفذ مبادرة وطنية بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ 96

قلوب دافئة

قلوب دافئة

مهرجان كؤوس في ختام سباقات الطائف للخيل

مهرجان كؤوس في ختام سباقات الطائف للخيل

أندية الحي تحتفي بالوطن.. فرحةٌ تجمع الأجيال وتصنع الانتماء

أندية الحي تحتفي بالوطن.. فرحةٌ تجمع الأجيال وتصنع الانتماء

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode