ليس كل من اعطى كان كريمًا

بقلم ايمان المغربي
العطاء الحقيقي لا ينتظر ردا من بشر ولا يقف عند باب الامتنان ولا يراقب اثره في عيون الاخرين لان من يعطي وهو يترقب المقابل نسي حقيقة جوهرية ان ما اعطاه لم يكن منه ابتداء فالمال الذي بين يديك والمكانة التي تملكها والفرص التي فتحت لك لم تكن نتاج استحقاق مطلق ولا ثمرة جهد منفرد بل احسان من الله عز وجل سبقك قبل نيتك وساقه لك دون ان تطلبه من احد
وحين تعطي انسان ضعيف مثلك ثم تنتظر منه رد الجميل فأنت تطالب بما لا يملك لان ما عنده ليس منه كما ان ما عندك ليس منك فكلنا فقراء الى الله عز وجل نعيش على فضل لا نملكه والاحسان لا يقاس بما خرج من يدك بل بما بقي في قلبك بعد العطاء ومن احتاج تذكيرا بفضله لم يكن محسنا بل كان يبحث عن اعتراف لان العطاء ليس حركة يد بل حالة قلب ومن كان قلبه بعد العطاء مشغول بالسؤال هل رد الجميل ام لا
فهو لم يعط بعد بل ما زال واقف عند ذاته ينتظر ما يسكن به شعوره لا ما يخفف حاجة غيره
ومن اشد ما يفسد العطاء ان يتحول في الداخل الى حق مكتسب او دين مؤجل او ميزان خفي تراقب به العلاقات فالعطاء حين يدخل منطقة الترقب يفقد نقاءه وحين يصاحبه انتظار يثقل على صاحبه قبل غيره لان القلب الذي يعطي وهو يحسب لا يذوق راحة البذل بل يعيش في قلق دائم هل قدر المعروف وهل حفظ المقام وهل ثبت الفضل وهنا يتحول العطاء من طمأنينة الى عبء ومن قربة الى ضغط نفسي لا يشعر به الا من عاشه~
والاشد من ذلك ان بعض الناس لا يتالم حين لا يرد له الجميل بل يغضب حين لا يتم الاعتراف بعطائه وكأن الالم لم يكن من الفقد بل من غياب التقدير وهذا شكل خفي من اشكال التعلق لا بالعطاء بل بالصورة التي يريدها الانسان لنفسه فالذي يعطي لله لا يبحث عن موقع ولا ينتظر تثبيتا ولا يراجع اثره في القلوب
والله عز وجل يعلم النوايا ومع ذلك لا يعاجل بل يترك للانسان فرصة ليتعلم الفرق بين العطاء والصفقة وبين الاحسان والمقايضة وكم من انسان اعطى ففتح الله له باب رزق او يسر له امرا او دفع عنه ضيقا ثم ظن ان ذلك بذكائه ونسي ان الله عز وجل رد له الثمن نيابة عمن اعطاه
فالله عز وجل لا يضيع الاحسان لكنه لا يقبل ان يتحول العطاء الى اداة ضغط ولا ان يكون الضعيف ساحة لتفريغ شعور الاستحقاق ولا ان يحمل انسان ما لا طاقة له به فالنعمة لا تمنح للتباهي بل للاختبار فان شكر زاد وان من كشف وان ظن ان الفضل منه وحده سقط من حيث لا يشعر
ومن الوعي ان تفهم انك حين تعطي اما ان تعطي خالصا لله عز وجل فتكتفي بما يرده الله عز وجل لك بطرق لا تتوقعها او ان تكون واضحا وتقول هذا تعاون او هذا مقابل فالوضوح اكرم من عطاء مسموم بالانتظار اما ان تعطي ثم تراقب ثم تحاسب ثم تغضب ثم تتالم فهذا ليس احسانا بل عبء نفسي صنعته بيدك
العطاء الذي ينتظر مقابله يفقد صاحبه راحته ويشوه نيته ويضعه في موضع لا يليق لان الكريم لا يذكر والمحسن لا يطالب ومن يعطي لله عز وجل لا ينتظر من عبد فقير مثله وبعض العطاءات لا تؤلم من قدمت له بقدر ما تؤلم صاحبها لانها خرجت من يد لم تتحرر بعد من شعور الفضل فصارت ثقلا على القلب بدل ان تكون نورا في الميزان
وهنا تقف الفكرة
العطاء الذي لا يحررك ليس عطاء
والنعمة التي لا تجعلك اكثر تواضع ليست كرامة
ومن لم يتعلم ان يعطي لله عز وجل سيتعب ولو كثر عطاؤه
لان قلبه لم يكن يبذل بل كان يفاوض البشر



