. الكاتبه مشاعل عبد العزيز : مكه المكرمه :
صدى نيوز. القسم الثاني: الحبّ الذي كتبه الله
بعد أن أُغمي عليه من شدة الصدمة، استيقظ عبد العزيز على صوت الطبيب يطمئنه أن ضغطه هبط فقط، وأنه الآن بخير. لكنه لم يكن بخير… قلبه كان بين الماضي والحاضر، بين حلم عاش عليه سنوات، وحقيقة سقطت فجأة أمامه.
أول ما فتح عينيه قال:
— فين مريم؟
قال الطبيب:
— اللي جات معاك طيبة.
قال بسرعة:
— لا… الدكتوره
استغرب الطبيب، لكنه ناداها.
دخلت الدكتورة ، ووقفت أمامه بتوتر.
نظر فيها طويلًا، وكأنه يتأكد أنها حقيقة وليست ذكرى.
قال بصوت مرتجف:
— انتي… مريم؟
قالت:
— أيوه… فيك شيء؟ تبغاني أتصل بأحد؟
قال وهو يحدق فيها:
— أنا عبد العزيز… جارك. كنت أستناك كل يوم عشان أشوفك رايحة المدرسة وراجعة.
تغير لون وجهها، وارتبكت.
— عبد العزيز؟ إيش جابك الرياض؟
بدأ يتكلم بسرعة، كأن الكلمات متراكمة في صدره من سنين:
— تعبت وأنا أدور عليك… ما عمري فقدت الأمل. حتى وأنا تعبان كنت أسمع صوتك في بالي، عمري ما نسيتك.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها قالت فجأة:
— أنا آسفة… مدري عن إيش تتكلم.
وخرجت.
وقف مذهولًا، وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه. فكّ الإبرة من يده وخرج خلفها، يناديها، يبحث عنها في الممرات، لكن اختفت.
في الخارج، صادف مريم السكرتيرة. كانت ملامحها مليئة بالقلق.
— عبد العزيز! يقولوا إنك طحت!
قال وهو مشتت:
— لا لا… بس تعب.
كانت تنظر له بوجع واضح، لكنه لم يكن يراها… كان يبحث عن مريم الأولى، عن عمر ضاع.
أخيرًا وجدها، وطلب منها الحديث. اتفقا أن يلتقيا على سطح المستشفى.
وقف ينتظرها، قلبه يدق بقوة، فرح وخوف وارتباك.
وصلت، ونظرت فيه طويلًا، ثم قالت بصوت حاسم:
— عبد العزيز… أنا مركزه على مستقبلي درست وتعبت الين صرت دكتوره وما ابغى انشغل بالارتباط وبالذات انه بيننا تفاوت في مستوى العلمي وماراح نتفاهم أرجوك لا تخرب حياتي.
في تلك اللحظة، حاول يأخذ نفس… لكن صدره كان ضيّق، والهواء ما يدخل بسهولة. الدنيا قدامه صارت ضباب، وصوت قلبه كان أعلى من أي شيء.
قال بصوت مكسور:
— خايفه من ابوكي؟
قالت:
لا ابويه ماله دخل فكر بعقلانيه صدقني مالنا مستقبل مع بعض
انتهى كل شيء.
تركته ومشت.
أما هو، فكان واقفًا كأن الزمن مرّ عليه دفعة واحدة.
خرج يمشي في الشارع بلا وعي. كادت سيارة تصدمه، لكن أحدًا دفعه بعيدًا بقوة…
كانت مريم السكرتيرة.
هي التي صدمتها السيارة بدلًا عنه.
ركض نحوها وهو يصرخ باسمها، حملها، وطلب النجدة. في المستشفى طمأنه الطبيب أنها بخير، مجرد كسور ورضوض.
دخل عليها، وعيناه مليئة بالندم.
— ليه سويتي كذا؟
قالت بابتسامة متعبة:
— خفت عليك… شفتك ضايع ومرتبك.
تغير شيء داخله. لأول مرة شعر أن هناك شخصًا يراه، يهتم به، لا كذكرى… بل كإنسان حاضر.
صار يزورها، وأخته جاءت تبقى معها. تقرّبوا من بعض أكثر، بدون ضجيج، بدون ماضٍ ثقيل، فقط إنسانين يتشاركون الوحدة والطيبة.
قال لأخته يومًا:
— يمكن انكسرت بعد مريم… لكن ربي كأنه عوّضني بمريم ثانية.
خطبها، ووافقت.
قبل الملكة بيوم، اتصل رقم غريب.
كانت مريم الأولى.
— سمعت إنك خطبت ومدري ليه قلبي عورني يمكن أنا استعجلت وندمانه ايش رايك نعطي بعض فرصه وماندري ايش يصير
قال بهدوء لم يعرفه في نفسه من قبل وهو يقاطع حديثها :
مريم فكري بعقلانيه مالنا مستقبل مع بعض —أنا خطبت مريم اللي ربي كتبها لي… مو مريم اللي صنعتها في خيالي. مع السلامة.
وأغلق الهاتف.
لأول مرة، شعر أن قلبه خفيف… كأن جبلًا انزاح عن صدره.
دخلت عليه مريم وقالت بخجل:
— مستعد؟ ينتظرونا برّه.
ابتسم وقال:
— هذا أكثر وقت كنت فيه مستعد.
أمسك يدها، وخرج نحو حياة لم يحلم بها… لكنها كانت مكتوبة له.
السعادة مو دائمًا مع من نحب،
السعادة أحيانًا مع من كتبه الله لنا. �
(عسى ان تكره شيئا وهو خير لكم)






