
المقدمة
ليست كل الحكايات تُروى في المقاهي أو تحت ضوء المصابيح الهادئة…
بعض الحكايات تولد من وجعٍ ثقيل يسكن القلوب، وتخرج إلى الدنيا متعثرة بين الدموع والذكريات.
وأنا، كعادتي حكواتي ألتقط الحكايات من وجوه الناس، ومن ارتعاش أصواتهم، ومن تلك اللحظات التي ينهار فيها الصمت فجأة، فيتكلم القلب بعد طول صبر.
هذه الحكاية لم أبحث عنها…
بل هي التي جاءت إليّ ذات مساءٍ ممطر، حاملة معها رجلًا أنهكه الحب… حتى كاد يفقد عقله.
لم أتخيل يومًا أنها قد تتركني…
قالها وهو يضرب بيده على مقدمة الكرسي الذي أحضره ليجلس عليه.
اقتربتُ منه قليلًا وقلت بهدوء:
أريد الحكاية… من البداية.
ونظرت إليه، ولسان حالي يقول:
إن بدايات المحبين غالبًا ما تكون جميلة وسعيدة… أما النهايات، فذلك ما سيخبرنا به هذا المسكين.
اقتربت منه أكثر، حتى خُيّل إليّ أنني أسمع دقات قلبه تضرب بعنف، كأن قلبه يريد أن يخرج من قفصه الصدري. أدركت حينها أن الرجل يتألم حقًا.
وكحكواتي يعرف متى تنفتح أبواب القلوب، أدركت أن تلك هي اللحظة المناسبة ليبوح بما يثقل صدره.
وضعت يدي على كتفه وقلت برفق:
يا صديقي… هل أنت بخير؟
صمت قليلًا، ثم أضفت:
— ما رأيك أن نتجاذب أطراف الحديث؟ لا تخجل… كلنا نتعرض لبعض المنغصات في حياتنا. أحيانًا تبدو لنا المحن كأنها جبال سمحان الشاهقة، ولكن عندما نتجاوزها نضحك من أنفسنا ونقول: كم كنا بلهاء! لقد كانت مجرد مشكلة بسيطة.
أليس كذلك؟
مثلما يقول المثل الشعبي العُماني:
“تبات نار… تصبح رماد.”
فلا تجعلها معضلة كبيرة. هيا… أخرج ما في جوفك. تأكد أنني أسمعك.
نظر إليّ طويلًا، وكأن كلماتي وصلت إلى مكان عميق في قلبه، ثم قال بصوت بطيء:
— قبل خمس سنوات… التقيتها صدفة.
كنت أعمل محاسبًا في إحدى محطات التسوق السريع. عندما رأيتها لأول مرة… رقص قلبي فرحًا.
نعم… هي.
هي الفتاة التي كنت أبحث عنها.
كانت تتحرك بين الأرفف بخفة نحلة جميلة، كأنها تنقل العسل بين أرجاء مملكتها. تنتقل من ركن إلى آخر بنشاط وحيوية، وكلما اقتربت مني… كانت تهديني ابتسامة.
وتلك الابتسامة… كانت مفتاح دخولها إلى قلبي.
عندما غادرت المكان شعرت بحزن غريب، لأنني لم أستطع حتى أن أعرف من تكون. فهذه محطات التسوق السريع تشبه محطات القطار… كل يوم وجوه جديدة، لا تعرف من أين جاءت، ولا إلى أين تمضي.
لكن بعد ساعة تقريبًا…
رن الهاتف الموجود في المحل.
قلت في نفسي: يبدو أن أحد الزبائن نسي هاتفه هنا. يحدث ذلك كثيرًا؛ فمشاغل الحياة تجعل الإنسان ينسى أحيانًا حتى نفسه.
أمسكت الهاتف… وقبل أن أجيب، سمعت صوتًا يشبه لحنًا عذبًا.
قالت بلطف يسبقه اعتذار:
آسفة يا أخي… لقد نسيت هاتفي في المحل.
للحظة لم أستوعب ما حدث… وربما من شدة الفرح لم أنتبه إلى أنها سبقت اعتذارها بكلمة “أخي”، وهي كلمة كفيلة بأن تفسد رومانسية أي لحظة!
ثم أضافت ضاحكة:
كنت عندكم قبل ساعة… اسمي نورة، وسأمر بعد قليل لأخذ هاتفي.
وأغلقت الهاتف.
يا إلهي…
قالت اسمها: نورة.
وستعود مرة أخرى.
هل يعقل أن السماء تمطرني بكل هذا الكرم في مساء واحد؟
تقول الأسطورة:
إن من يمعن النظر في الأشياء التي يحبها… يصل إلى حدّ الثمالة بها.
كنت في طريقي إلى عملي، ولا أعلم كيف وصلت قدماي إلى باب فيلتها.
“أمير العجلة”
بدأت زخات المطر تتساقط على طرقات المزرعة، وتلبدت السماء بالغيوم، بينما دوّى الرعد في البعيد مبشرًا بالمطر.
أسرعت أحمل الكرسي إلى الداخل، والناس من حولي يركضون بحثًا عن مأوى من المطر…
إلا رجلًا واحدًا.
كان اسمه عزام… بطل هذه الحكاية.
كان واقفًا في وسط المطر، فاتحًا ذراعيه للماء المنهمر، يدور حول نفسه ويرقص ★ الفالس كأنه في قاعة احتفال كبيرة.
كان يغمض عينيه ويتمايل على أنغام موسيقى يتخيلها… ربما من ألحان الموسيقار ★ عمر خيرات.
وهمس بصوت مرتعش:
— نورة…
ثم وضع يده على قلبه كأنه يراقصها فعلًا.
وهي في خياله ترد بدلال:
تسمعني حين تراقصني… كلمات ليست كالكلمات.
ويردد صدى قلبه:
— كلمااااااااات…
وقفت مشدوهًا وأنا أراه يضحك تحت المطر، متخيلًا أن حبيبته معه.
خشيت عليه من المرض، فعُدت إليه وسحبته بقوة إلى داخل الفيلا.
لكنه انفجر بالبكاء وهو يقول:
لماذا خانتني نورة؟!
ألم أكن حبيبها؟!
لقد سامحتها مرات كثيرة… كانت تخونني، وأنا في كل مرة أسامحها. أليس المحب يسامح؟!
إذن أنا سامحتها… كما كنت أفعل دائمًا.
ارجعي يا نورة… لقد سامحتك.
لم أعرف ماذا أقول. الكلمات خذلتني.
ماذا يمكن أن تقوله لرجلٍ سيطرت عليه عواطفه حتى كادت تقتله؟
لم أر في حياتي عاشقًا تعسًا كهذا العاشق.
وبعد أن هدأ قليلًا، طلبت منه أن يكمل حكايته.
ابتسم فجأة وهو ينظر إلى المطر وقال:
تعلم يا سيدي… عندما كانت تمطر، كنا أنا ونورة نرقص معًا.
كانت أصابعنا تتشابك، أضع يدي اليسرى خلف ظهرها، وتمسك يدي اليمنى بيدها اليمنى… خطوة إلى الأمام، خطوة إلى الخلف…
ثم نتوقف لحظة…
ثم نعود للرقص.
كانت أنفاسي تختلط بأنفاسها… حتى لا ندري أي نفسٍ منها هو لي… وأي نفسٍ هو لها.
ثم صمت فجأة.
وقال بصوت خافت:
— لكن… ذات ليلة قررت أن أفاجئها.
دخلت البيت مثل اللص خلسة. وضعت الورد والهدية على الطاولة… فقد كان عيد ميلادها.
وصعدت إلى الغرفة أبحث عنها…
لكنني سمعت همسات… وصوت رجل.
ركضت كالمجنون.
بعدها… لا أتذكر شيئًا.
قالوا لي إن نورة ماتت… بطلقة في الرأس.
وعشيقها ما زال في العناية.
قالوا إنني أنا من أطلق النار… من بندقية الصيد التي أهدتني إياها نورة ليلة عيد ميلادي.
ثم صمت طويلًا…
وقال:
وبعد خمس سنوات خرجت من السجن.
والآن يا سيدي… دعني أكمل رقصة الفالس مع حبيبتي نورة.
خرج إلى المطر مرة أخرى… يرقص فوق الطين، ويغني بصوت مكسور:
★ أنا بتبع قلبي
بس ما عليّ من الناس
كذب اللي يقولون
المحبة لها مقياس
أحبه… محبة من زمان الصبا
وأكثر…
أحبه محبة قبل لا يُخلق أبونا آدم.
وفي صباح اليوم التالي…
جاءت سيارة الإسعاف.
وأخذت عزام إلى مستشفى ★ المسرة.
قالوا إنه ظل طوال الليل يبكي… وينادي اسمًا واحدًا فقط: نورة…
أما أنا…
فوقفت طويلًا أتأمل المطر وهو ينهمر على الطرقات وأفكر في حكاية ذلك العاشق الذي هزمته مشاعره.
تذكرت حينها حكمةً يرددها أهل عُمان:
“تبات نار… تصبح رماد.”
وهو مثل شعبي عُماني شائع، يقال إن الهموم مهما اشتعلت اليوم كالنار، فإنها مع الأيام تخمد وتصبح مثل الرماد البارد.
لكنني، وأنا أستمع لحكاية عزام، أدركت شيئًا آخر…
أن بعض النيران لا تنطفئ.
فبعضها يظل مشتعلاً في القلب…
حتى بعد أن يغادر الأحبة،
وحتى بعد أن يرحل العقل عن صاحبه.
ومنذ ذلك اليوم…
كلما هطل المطر، وتراقصت قطراته فوق الطرقات
أتذكر رجلاً كان يفتح ذراعيه للعاصفة، ويرقص وحده تحت السماء…
وينادي اسم امرأةٍ واحدة: نورة…
وهكذا انتهت الحكاية،
لكن أثرها…
ما زال يتردد في قلبي، كما يتردد صدى المطر في ليالي العشاق.
انتهت …….
شرح الكلمات ★ بعد الخاتمة
★ الفالس
رقصة زوجية كلاسيكية، تتحرك فيها الشخصيتان بانسيابية ودوران على إيقاع ثلاثي (1–2–3)، وكأنهما يطفوان مع الموسيقى.
★ عمر خيرات
موسيقار مصري مشهور، تعزف ألحانه الموسيقى المصاحبة للرقص أو الأجواء العاطفية.
★ أنا بتبع قلبي
أغنية للشاعر اليمني حسين المحضار، تعبر عن العاطفة والحب الصادق.
★ المسرة
مستشفى للأمراض النفسية في سلطنة عمان.



