نفيُ الودّ: حين يكونُ الصبرُ مقبرةً للذات

 

بقلم: أحمد علي بكري

لا تسقطُ القلاعُ العظيمةُ دائماً بضرباتِ المدافعِ الخارجية، بل غالباً ما تنهارُ من الداخلِ حين تنخرُ السوسةُ في أعمدتها الصامتة. وفي دستُورِ العلاقاتِ الإنسانية، سادَ اعتقادٌ سطحيٌّ مفادُه أنَّ “الخيانة” هي المقصلةُ الوحيدةُ التي تجتثُّ جذورَ المودة، ولكنَّ المتأملَ في شؤونِ القلوبِ يدركُ أنَّ الخيانةَ ليست إلا الصرخةَ الأخيرةَ لجسدٍ ماتَ سريرياً منذُ زمن. إنَّ ما يُنهي العلاقاتِ حقيقةً هو ذلكَ الاستنزافُ الباردُ الذي يمارسُه طرفٌ يمنحُ الوجودَ بأسره، أمامَ طرفٍ آخرَ يكتفي بدورِ “المُشاهد” أو “المُستهلك”، غيرَ مستعدٍ لتقديمِ تنازلٍ واحدٍ أو خطوةٍ في منتصفِ الطريق.

 

تبدأُ المأساةُ حين تتحولُ العلاقةُ إلى طريقٍ ذي اتجاهٍ واحد؛ قلبٌ يحترقُ ليُضيء، وقلبٌ يستمتعُ بالضوءِ دون أن يُكلفَ نفسهَ عناءَ جلبِ عودِ ثقاب. هذا التفاوتُ الحادُّ في بذلِ المشاعرِ هو السمُّ الزعاف؛ فالحبُّ في جوهرهِ “تشارك”، فإذا صارَ “استجداءً” فقدَ كينونتَه. إنَّ أصعبَ ما يواجهُ المرءَ هو أن يُحبَّ بيقينٍ كاملٍ وصدقٍ مطلق، ليجدَ نفسَه في مواجهةِ طرفٍ يمارسُ الحبَّ كـ “هوايةٍ” لقطعِ الوقتِ في ساعاتِ فراغه، أو يخضعُ في مودةِ الآخرينَ لمزاجيةٍ متقلبةٍ تجعلُه قريباً كأنفاسِكَ اليوم، وبعيداً كالمجراتِ غداً بلا سببٍ واضح. هذه المزاجيةُ ليست إلا نوعاً من “النرجسيةِ العاطفية” التي تتركُ الطرفَ الصادقَ في حالةِ تيهٍ مستمر، يتساءلُ دوماً: أينَ أخطأت؟ والحقيقةُ أنه لم يُخطئ، بل أعطى من لا يستحق، وبنى في أرضٍ لا تقبلُ الزرع.

ومن أشدِّ فصولِ هذا المقالِ إيلاماً هو ذلك “الغفران” الذي يتحولُ من فضيلةٍ إلى لعنة. إنَّ النفسَ التي تسامحُ دائماً ليست نفساً بلا كرامة، بل هي نفسٌ متمسكةٌ بالأملِ إلى أبعدِ حد، لكنَّ المشكلةَ تكمنُ في “الطرفِ المعتادِ على الخطأ”. حين يدركُ المسيءُ أنَّ هناكَ “مساحةً مضمونةً” من العفو، فإنه يفقدُ الرهبةَ من الفقد، ويكررُ طعناتِه بذاتِ النصلِ وبذاتِ البرود. هنا ينقلبُ “الصبرُ” من قيمةٍ أخلاقيةٍ يُثابُ عليها المرء، إلى “خديعةٍ” كبرى يمارسُها الإنسانُ ضدَّ نفسِه. نحنُ نصبرُ ظناً منا أننا نمنحُ الآخرَ فرصةً للتغيير، ولكننا في الحقيقةِ نمنحُه فرصةً إضافيةً لهدمِ ما تبقى من كرامتنا. الصبرُ الجميلُ هو ما كانَ في مواجهةِ القدر، أما الصبرُ على الامتهانِ العاطفي فهو انتحارٌ بطيء.

إنَّ الفجيعةَ الكبرى التي يجبُ أن نعيها هي أنَّ أسوأَ العلاقاتِ في تاريخِ البشرية ليست تلكَ التي انتهت بالوداعِ أو الصراخِ أو حتى القطيعة؛ فالفراقُ في نهايةِ المطافِ هو نوعٌ من الشفاء. بل إنَّ الأسوأَ على الإطلاقِ هي تلكَ العلاقاتُ “المُعلّقة” التي تستمرُّ في الوجودِ المادي بينما هي خاويةٌ من الروح. هي تلكَ العلاقاتُ التي تجبركَ على البقاءِ في سجنٍ من التوقعات، تتألمُ فيها بصمت، وتُنزفُ فيها كرامتُكَ ببطء، وتعيشُ فيها “وحدةً ثنائية” هي أقسى أنواعِ الاغتراب. أن تكونَ وحيداً وأنتَ وحيدٌ هو أمرٌ مفهوم، ولكن أن تكونَ وحيداً وأنتَ تستندُ إلى كتفِ شخصٍ يفترضُ أنهُ “سكنُك”، فهذا هو الجحيمُ بعينه. في نهايةِ المطاف، لا تخشوا النهاياتِ الواضحة، بل اخشوا الاستمرارَ الذي يلتهمُ هويتَكم ويطفئُ بريقَ أعينكم، فخسارةُ “شخصٍ” أهونُ بألفِ مرةٍ من خسارةِ “نفسِك” في سبيلِ إرضاءِ من لا يراك.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​الدكتوراة الوهمية وغياب الإعتماد الأكاديمي الرسمي هي شهادات بـأختام “غير رسمية”

  ​أصبح بريق الألقاب الأكاديمية يسحر الكثيرين في الآونة الأخيرة، حتى تحول لقب “دكتور” عند البعض إلى غاية تبرر وسيلة المظاهر، بغض النظر عن القيمة العلمية أو الحقيقية التي يحملها هذا اللقب. وفي هذا السياق، برزت على السطح ظاهرة مقلقة تتمثل في انتشار ما يمكن تسميته بـ “الدكتوراة الوهمية”، وهي شهادات تُمنح من جهات غير معترف بها، وتفتقر تماماً إلى الاعتماد الأكاديمي والرسمي من مؤسسات الدولة…

جهود أجهزة المملكة في استقبال وخدمة حجاج بيت الله الحرام 

  الكاتب : عبدالله العطيش تُعدُّ خدمة ضيوف الرحمن من أعظم الأعمال التي توليها المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، وحتى هذا العهد الزاهر في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله. وقد سخّرت المملكة جميع إمكاناتها البشرية والتقنية والمالية لخدمة الحجاج والمعتمرين، انطلاقًا من مكانتها…

لقد فاتك ذلك

​الدكتوراة الوهمية وغياب الإعتماد الأكاديمي الرسمي هي شهادات بـأختام “غير رسمية”

​الدكتوراة الوهمية وغياب الإعتماد الأكاديمي الرسمي هي شهادات بـأختام “غير رسمية”

“وماكان ربك نسيا”

“وماكان ربك نسيا”

الطائف.. وجهة صيفية تجمع بين الطبيعة والأجواء المعتدلة

الطائف.. وجهة صيفية تجمع بين الطبيعة والأجواء المعتدلة

إختيار الدكتورة وسيلة الحلبي عضوا في اللجنة الإعلامية لملتقى المسؤولية الإجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة 

إختيار الدكتورة وسيلة الحلبي عضوا في اللجنة الإعلامية لملتقى المسؤولية الإجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة 

طيران ناس يطلق رحلات مباشرة بين الرياض وميلانو ابتداءً من اليوم ضمن توسّع شبكة وجهاته الدولية

طيران ناس يطلق رحلات مباشرة بين الرياض وميلانو ابتداءً من اليوم ضمن توسّع شبكة وجهاته الدولية

سامي الحريري يودّع الشاشة التلفزيونية ويعلن نهاية مشواره في الإعلام المرئي الرياضي 

سامي الحريري يودّع الشاشة التلفزيونية ويعلن نهاية مشواره في الإعلام المرئي الرياضي 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode