بقلم: أحمد علي بكري
في جنوب المملكة العربية السعودية، حيث تمتزج زرقة البحر بزرقة السماء وتتعانق الجبال الشاهقة مع السهول والأودية الخصبة، تقف منطقة جازان بوصفها واحدة من أكثر مناطق الجزيرة العربية ثراءً بالطبيعة والتاريخ والموروث الشعبي. وفي قلب هذه الطبيعة الجبلية المهيبة يبرز جبل الدقم، ذلك الجبل الذي ظل لعقود طويلة محاطاً بهالة من الغموض والأساطير، حتى أصبح اسمه يتردد في المجالس الشعبية والحكايات القديمة بوصفه واحداً من أكثر المواضع رهبةً وإثارةً للجدل في الذاكرة المحلية. فالجبل بالنسبة لكثير من أهالي المنطقة ليس مجرد تضاريس صخرية صامتة، بل موضع ارتبط بقصص الجن والأصوات الغريبة والحوادث الغامضة التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
ومنذ القدم ارتبطت جبال جازان في المخيلة الشعبية بالهيبة والأسرار، فالمنطقة بطبيعتها الجغرافية الوعرة وكثافة جبالها وأوديتها كانت دائماً بيئة خصبة لولادة الحكايات والأساطير. وفي الليالي المظلمة، حين تهب الرياح بين الشعاب وتنعكس الأصوات بين الصخور، يصبح المكان أشبه بعالم منفصل عن الحياة المعتادة، عالم تختلط فيه الحقيقة بالخيال وتتحول فيه الهمسات الطبيعية إلى قصص يرويها الناس عن الجن والكائنات الخفية. وكان جبل الدقم على وجه الخصوص أحد أبرز تلك المواضع التي أحاط بها الناس بسياج من الحذر والخوف، حتى إن كثيراً من كبار السن اعتادوا تحذير أبنائهم من الاقتراب منه ليلاً أو المبيت بالقرب منه.
ويحكي بعض أهالي القرى القريبة أن الجبل اشتهر منذ زمن بعيد بأصوات غامضة تُسمع في أوقات متأخرة من الليل، أصوات تشبه النداءات أو الأحاديث البعيدة التي لا يُعرف مصدرها. ويروي بعض الرعاة والصيادين الذين مروا بالقرب منه أنهم شعروا بوجود شيء يراقبهم من أعالي الصخور، بينما يؤكد آخرون أنهم سمعوا من يناديهم بأسمائهم وسط الظلام، وعندما اتجهوا نحو الصوت لم يجدوا سوى الصمت والفراغ. ومثل هذه الروايات، وإن اختلفت تفاصيلها، فإنها شكلت مع مرور الزمن صورة ذهنية جعلت من جبل الدقم رمزاً للمجهول في وجدان الناس.
ولم يكن ارتباط الجبل بعالم الجن أمراً معزولاً عن الثقافة العربية والإسلامية، فالإيمان بوجود الجن جزء من العقيدة الإسلامية الثابتة، إذ خلقهم الله سبحانه وتعالى من نار وجعل لهم عالماً خاصاً يختلف عن عالم البشر. وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، كما ارتبطت بعض الأماكن المهجورة والموحشة في التراث الشعبي بمساكنهم، خصوصاً الجبال والكهوف والأودية البعيدة عن العمران. ولهذا كان من الطبيعي أن تنشأ حول جبل الدقم مثل هذه القصص، خاصة مع طبيعته الجبلية القاسية وكهوفه العميقة وأجوائه التي تبعث على الرهبة.
لكن وعلى الرغم من انتشار تلك الحكايات، فإن كثيراً من الباحثين في التراث الشعبي يرون أن جانباً كبيراً منها يعود إلى تأثير الخيال الجمعي وتراكم الروايات عبر الزمن. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تفسير الظواهر المجهولة وربطها بعالم الغيب، خاصة حين يكون في بيئة معزولة أو موحشة. والأصوات التي يسمعها البعض قد تكون نتيجة ارتداد الرياح بين الصخور أو أصوات الحيوانات الليلية أو حتى تأثير الخوف النفسي الذي يجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه أي صوت أو حركة غير مألوفة. ومع مرور السنين تتضخم الحكاية، ويضيف كل راوٍ إليها شيئاً من خياله حتى تتحول إلى أسطورة متكاملة.
ورغم هذه التفسيرات العقلانية، يبقى لجبل الدقم حضوره المختلف الذي لا يمكن تجاهله، فالمكان يمتلك رهبة خاصة يشعر بها كثير ممن يزورونه، خصوصاً عند الغروب حين تبدأ الشمس بالاختفاء خلف القمم الجبلية وتغرق الشعاب في ظلال كثيفة توحي بأن الجبل يخفي أسراراً لم تُكشف بعد. وتزيد الطبيعة المحيطة به من هذا الإحساس؛ فالصخور الداكنة والتكوينات الجبلية الحادة والشعاب العميقة تمنح المكان هيئة مهيبة تفرض الصمت والتأمل على كل من يقف أمامها.
ومع ذلك فإن جبل الدقم لا يختزل فقط في قصص الجن والخوف، بل يمثل أيضاً جزءاً من الهوية الطبيعية والثقافية لمنطقة جازان. فالمنطقة التي طالما عُرفت بتنوع تضاريسها بين البحر والسهل والجبل تحمل إرثاً شعبياً غنياً بالحكايات والمرويات التي تعكس علاقة الإنسان بالمكان عبر القرون. وكانت مثل هذه القصص وسيلة لتفسير المجهول وغرس الحذر في نفوس الناس، خاصة في الأزمنة التي كانت فيها الجبال والأودية تشكل خطراً حقيقياً على المسافرين والرعاة بسبب وعورتها وبعدها عن العمران.
وفي السنوات الأخيرة عاد الحديث عن جبل الدقم بقوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت مقاطع وقصص تتحدث عن غرابة المكان وما يحيط به من روايات، الأمر الذي أعاد الجبل إلى دائرة الاهتمام الشعبي والسياحي في آن واحد. وبين من ينظر إلى تلك القصص بوصفها جزءاً من التراث المحلي الممتع، ومن يعتقد بوجود أسرار حقيقية خلفها، يظل الجبل محتفظاً بهيبته وغموضه الذي لم تستطع السنوات تبديده.
إن أكثر ما يميز جبل الدقم هو ذلك التداخل العجيب بين الطبيعة والأسطورة، بين الجمال والخوف، وبين الواقع والخيال. فهو مكان يجبر الإنسان على التفكير في اتساع هذا الكون وغموضه، ويذكره بأن هناك أموراً كثيرة تتجاوز حدود إدراكه ومعرفته. وربما لهذا السبب ظلت الجبال عبر التاريخ مرتبطة في مختلف الحضارات بالأسرار والغيبيات، لأنها تمنح الإنسان شعوراً بالعزلة عن العالم المألوف وتضعه وجهاً لوجه أمام المجهول.
وفي النهاية يبقى جبل الدقم واحداً من أكثر المواقع إثارةً للدهشة في جازان، ليس فقط بسبب طبيعته الجبلية الساحرة، بل بسبب ما يحمله من إرث قصصي وشعبي جعل منه أسطورة حية في ذاكرة الناس. وربما يكون كثير مما يقال عنه مجرد حكايات نسجها الخوف والخيال، وربما تبقى بعض أسراره حبيسة تلك الصخور العتيقة التي شهدت مرور أجيال لا حصر لها. لكن المؤكد أن الجبل سيظل رمزاً من رموز الغموض في جنوب المملكة، ومعلماً يختصر العلاقة القديمة بين الإنسان والمجهول، بين ما تراه العيون وما تعجز عن إدراكه القلوب والعقول.






