ويبقى الأثر

عبدالله شراحيلي

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس

لا يُقاس الإنسان بما يملك من مال، ولا بما يشغل من منصب، ولا بعدد السنوات التي عاشها، بل بما يتركه من أثر في قلوب الآخرين. فهناك أناس يمرون في حياتنا مرور العابرين، وهناك من يتركون بصمة تبقى في الذاكرة مهما تعاقبت الأيام وتبدلت الأحوال.

إن أجمل ما يملكه الإنسان في هذه الحياة هو الأثر الطيب؛ ذلك الأثر الذي تصنعه كلمة صادقة، أو موقف نبيل، أو يد امتدت بالعون في وقت الحاجة، أو قلب امتلأ رحمةً ومحبةً للناس. فالأعمار مهما طالت قصيرة، والأيام مهما كثرت راحلة، لكن الأثر الجميل يبقى حيًا لا يرحل.

كم من إنسان رحل عن الدنيا منذ سنوات طويلة، وما زال ذكره حاضرًا بين الناس بسبب خلقه الحسن وعطائه الصادق. وكم من شخص عاش بين الناس سنوات عديدة دون أن يترك وراءه ما يُذكر أو يُشكر. فالفرق بينهما ليس في طول العمر، وإنما في جودة الأثر الذي خلفه كل منهما.

الأثر لا يحتاج إلى ثروة كبيرة ولا إلى شهرة واسعة، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي قد لا نلقي لها بالًا. ابتسامة صادقة، كلمة طيبة، احترام للآخرين، وفاء بالعهد، حفظ للأمانة، تسامح عند المقدرة، ومواساة لمن أثقلته الحياة. هذه الأعمال البسيطة قد تصنع في النفوس ما لا تصنعه الخطب الطويلة والكلمات الرنانة.

وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الوجوه، تبقى القيم النبيلة هي اللغة التي يفهمها الجميع. فالناس قد ينسون ما قلته لهم، وقد ينسون ما قدمته لهم، لكنهم نادرًا ما ينسون الشعور الذي تركته في قلوبهم. لذلك كان حسن الخلق أعظم ميراث يتركه الإنسان بعد رحيله.

ولعل أجمل ما في الأثر الطيب أنه لا يتوقف عند صاحبه، بل يمتد إلى غيره. فكلمة تشجيع قد تصنع ناجحًا، ونصيحة مخلصة قد تغير مسار حياة، وموقف كريم قد يزرع بذور الخير في نفوس كثيرة. وهكذا تنتقل آثار الخير من إنسان إلى آخر، لتبقى حية عبر الزمن.

إن الحياة ليست سباقًا نحو المكاسب الزائلة، بل هي فرصة لزرع ما يستحق البقاء. ومن الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه بين حين وآخر: ماذا سأترك خلفي؟ وما الذي سيبقى مني إذا رحلت؟ فإن كان الجواب خلقًا حسنًا، وسيرة طيبة، وذكرًا جميلًا بين الناس، فقد فاز بأعظم المكاسب.

ويبقى الأثر هو الحكاية التي ترويها القلوب عن أصحابها، وهو الذكر الجميل الذي لا تمحوه الأيام، وهو البصمة التي تشهد للإنسان بأنه مر من هنا، فترك خيرًا ومضى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

اليوم العالمي للأب.. وفاء لمن حملوا الأحلام على أكتافهم

  بقلم: صالح الزهراني في كل عام يحتفي العالم بـ”اليوم العالمي للأب” ذلك اليوم الذي يتجاوز كونه مناسبة عابرة ليصبح محطة إنسانية نتأمل فيها قيمة الأب ودوره العظيم في بناء الأسرة وصناعة الأجيال وترسيخ المبادئ والقيم. فالأب ليس مجرد معيلٍ لأسرته أو مسؤولٍ عن توفير احتياجاتها المعيشية بل هو مدرسة متكاملة في التضحية والعطاء والصبر. يحمل على عاتقه مسؤولية التربية والتوجيه ويقف سندًا لأبنائه في مختلف…

أسرار الأعماق القاتلة: لغز الغواصة النازية “U-864” والمعركة التاريخية التي دفنت سر هتلر الأخير

  بقلم: أحمد علي بكري بينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من لحظاتها الأخيرة، كانت القيادة النازية تبحث بكل ما تبقى لديها من وسائل عن فرصة أخيرة لقلب موازين الصراع وإنقاذ الرايخ الثالث من الانهيار المحتوم. ومع تهاوي الجبهات الأوروبية وتقدم قوات الحلفاء من الشرق والغرب، لم تعد المعارك البرية وحدها هي التي تحدد مصير الحرب، بل انتقلت المواجهة إلى أعماق البحار حيث تدور عمليات سرية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

زينة الفدح تتوج مسيرتها الأكاديمية بالماجستير في الإعلام الرقمي مع مرتبة الشرف الأولى

زينة الفدح تتوج مسيرتها الأكاديمية بالماجستير في الإعلام الرقمي مع مرتبة الشرف الأولى

اليوم العالمي للأب.. وفاء لمن حملوا الأحلام على أكتافهم

اليوم العالمي للأب.. وفاء لمن حملوا الأحلام على أكتافهم

ويبقى الأثر

ويبقى الأثر

قمة القاهرة للإبداع والتأثير تمنح رجل الأعمال السعودي سلمان بن حمود الهدلاء وسام القاهرة لحفظ التراث و الريادة المجتمعية

قمة القاهرة للإبداع والتأثير تمنح رجل الأعمال السعودي سلمان بن حمود الهدلاء وسام القاهرة لحفظ التراث و الريادة المجتمعية

(قوة التأثير في الأدب والحياة) حين تصبح الكلمة أثرًا لا يُنسى

(قوة التأثير في الأدب والحياة) حين تصبح الكلمة أثرًا لا يُنسى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode