سلسلة حياتك السعيدة  المقال (25): الابتلاءُ.. بوابةُ الصبرِ ومفتاحُ السعادةِ

 

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ليس الابتلاءُ عقوبةً لكلِّ أحدٍ، بل هو سنَّةٌ ربانيةٌ يمتحنُ اللهُ تعالى بها صدقَ الإيمانِ، ويُهذِّبُ النفوسَ، ويُكفِّرُ السيئاتِ، ويرفعُ الدرجاتِ، ويُزكِّي القلوبَ من شوائبِ الدنيا. والسعادةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بخلوِّ الحياةِ من المصاعبِ، وإنما تُقاسُ بقدرةِ الإنسانِ على استقبالِ البلاءِ بقلبٍ مطمئنٍّ، ونفسٍ راضيةٍ، ويقينٍ راسخٍ بأنَّ تدبيرَ اللهِ تعالى للعبدِ خيرٌ من تدبيرِ العبدِ لنفسِه.

إنَّ الصبرَ الجميلَ هو مفتاحُ الفرجِ، وعنوانُ الثباتِ، وجسرُ العبورِ إلى رضا اللهِ تعالى. ومن صبرَ محتسبًا، ورضي بقضاءِ ربِّه، أذاقَه اللهُ من حلاوةِ الإيمانِ، وسكينةِ القلبِ، وطمأنينةِ الروحِ، ما يجعلُ مرارةَ الابتلاءِ طريقًا إلى أعظمِ المنحِ، وأجملِ العطايا. فالابتلاءُ يُظهرُ أجملَ ما في النفسِ من صدقِ العبوديةِ، وكمالِ التوكُّلِ، وحسنِ الإنابةِ، وعظيمِ الخضوعِ للهِ سبحانه وتعالى، حتى يبلغَ المؤمنُ كمالَ السعادةِ في الدنيا، والفوزَ الأبديَّ في الآخرةِ.

تأملات (241–250)

241. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الثباتَ عند سماعِ الأخبارِ المؤلمةِ؛ فالمؤمنُ يستقبلُ أقدارَ اللهِ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فيجدُ في التسليمِ قوةً، وفي اليقينِ عزاءً، وفي التوكُّلِ طمأنينةً.

242. الهدوءُ النفسيُّ يُعزِّزُ قدرتَك على ضبطِ النفسِ عند الخصومةِ؛ فالحِلمُ يطفئُ نارَ الغضبِ، ويُسقطُ سلاحَ الخصومةِ، ويُكسبُ صاحبَه مهابةً ووقارًا.

243. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُ القلبَ سكينةً عند تعثُّرِ الخططِ الدنيويةِ؛ فقد تخيبُ تدابيرُ البشرِ، أمَّا تدبيرُ اللهِ تعالى فلا يأتي إلا بخيرٍ، وإن خفيتْ حكمتُه في البدايةِ.

244. السكينةُ القلبيةُ ثمرةُ الانشغالِ بإصلاحِ النفسِ، وتركِ تتبُّعِ عيوبِ الآخرينَ؛ فمن أصلحَ نفسَه ارتقى، ومن شغلَه عيوبُ الناسِ قسا قلبُه، وضاقت نفسُه.

245. القربُ من اللهِ تعالى يكسو الكلماتِ نورًا، ويمنحُها أثرًا؛ فينطقُ المؤمنُ بالحكمةِ إذا تكلَّم، ويصمتُ بحكمةٍ إذا كان الصمتُ أبلغَ.

246. صفاءُ النيَّةِ للهِ تعالى هو سرُّ بقاءِ الأثرِ؛ فالأعمالُ لا تُخلِّدُها كثرتُها، وإنما يُخلِّدُها الإخلاصُ، والقبولُ فضلٌ من اللهِ تعالى.

247. الامتنانُ للهِ تعالى يُورثُ الوفاءَ لأهلِ الفضلِ؛ فمن شكرَ مَن علَّمه، وأكرمَ مَن أحسنَ إليه، فقد حقَّقَ خُلُقًا كريمًا، ونالَ بركةَ الشكرِ.

248. الوعيُ بعظمةِ اللهِ تعالى يُطفئُ نارَ الانتقامِ؛ فاتركِ المسيءَ لعدلِ اللهِ تعالى، واشغلْ قلبَك بالعفوِ والإحسانِ، تجدِ الراحةَ، وتذقْ حلاوةَ السلامِ الداخليِّ.

249. السعادةُ الحقيقيةُ تولدُ في لحظاتِ الاستغفارِ بالأسحارِ؛ فهي ساعاتُ الرحمةِ، وأوقاتُ القربِ، ومواسمُ انشراحِ الصدورِ، وفيها تتنزَّلُ السكينةُ على القلوبِ.

250. كلُّ قضاءٍ من اللهِ تعالى رحمةٌ ولطفٌ، وإن خفيتْ حكمتُه عن العبادِ؛ فما تراه اليومَ ألمًا، قد يجعله اللهُ غدًا سببًا لخيرٍ عظيمٍ، وفتحٍ كريمٍ، وسعادةٍ لا تزولُ.

الخاتمة

الابتلاءُ ليس نهايةَ الطريقِ، بل قد يكونُ بدايةَ طريقٍ جديدٍ، يُقرِّبُ العبدَ من ربِّه، ويُصفِّي قلبَه، ويُنمِّي إيمانَه، ويكشفُ له من أبوابِ الخيرِ ما لم يكن يخطرُ له على بالٍ. وما دام القلبُ معلَّقًا باللهِ تعالى، وحسنُ الظنِّ به حاضرًا، فإنَّ كلَّ محنةٍ تحملُ في طيَّاتها مِنحةً، وكلَّ عسرٍ يعقبه يُسرٌ، وكلَّ دمعةٍ صادقةٍ تُثمرُ فرحةً بإذنِ اللهِ تعالى.

فاستقبلْ أقدارَ اللهِ تعالى بالصبرِ، وزيِّنْ أيامَك بالرضا، وأحسنِ التوكُّلَ على ربِّك، واعلمْ أنَّ الخيرَ كلَّه فيما اختاره اللهُ لك. ومن رضي باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا، عاش مطمئنَّ القلبِ، هانئَ النفسِ، سعيدَ الروحِ، وفاز برضا اللهِ تعالى في الدنيا والآخرةِ.

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعينَ. ونلتقي على خير يوم الإثنين القادم بإذن الله تعالى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

سدنة الافتراض

دكتور/ حسن الأمير شهدت الساحات الثقافية في الآونة الأخيرة تحولاً رقمياً لافتاً بيد أنه تحول حمل في طياته الكثير من التشوهات التي طالت أقدس ما تملكه الأمم تاريخها وأصالة تراثها وعمق موروثها……… فبين ليلة وضحاها تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “محاكم تاريخية” ومنابر معرفية نصب فيها بعض العابرين أنفسهم علماء ومؤرخين يوزعون صكوك الأصالة ويصيغون روايات التاريخ وفقاً ل “أهواء الخوارزميات” ورغبة حصد الإعجابات……….. إن هذا…

فهد بن محمد نقلت رسالتي الفنية من المسرح إلى السوشيال ميديا بنجاح 

  د.منصور نظام الدين: مكة المكرمة قال المغرد فهد بن محمد: انه نقل عشقه للفن والمسرح الى عالم السوشيال ميديا الذي وجد فيه رحابه لتقديم كل أنواع العطاء الفني وتحقيق الرسالة الاجتماعية والتواصل مع شريحه كبيرة من المجتمع عبربثوث ومقاطع تحمل مضامين مختلفة. ويروي فهد أن بدايته مع المنصات الرقمية لم تكن بدافع الترفيه أو الانتشار، بل جاءت نتيجة مرحلة صعبة مرّ بها في عام 2014…

لقد فاتك ذلك

الموت غيّب من كان مجلسه مشرعًا للضيوف.. رجل المكارم الأستاذ علي محمد البجادي الغامدي

الموت غيّب من كان مجلسه مشرعًا للضيوف.. رجل المكارم الأستاذ علي محمد البجادي الغامدي

المقصف المدرسي.. غذاء أم عادة تحتاج مراجعة؟

المقصف المدرسي.. غذاء أم عادة تحتاج مراجعة؟

«من غسق الأمس إلى فجر اليوم» في ثقافة وفنون جدة.. عزيزة المانع تستعيد ذاكرة التحول

«من غسق الأمس إلى فجر اليوم» في ثقافة وفنون جدة.. عزيزة المانع تستعيد ذاكرة التحول

احتفال بالذكرى الحادية والستين ليوم الدفاع عن باكستان 

احتفال بالذكرى الحادية والستين ليوم الدفاع عن باكستان 

د. وليد فتيحي: «كل دقيقة حياة».. ونجدد وعدنا لجدة بعد 20 عاماً

د. وليد فتيحي: «كل دقيقة حياة».. ونجدد وعدنا لجدة بعد 20 عاماً

قبيلة آل الداحس تنعى الفقيد غانم بن حديب 

قبيلة آل الداحس تنعى الفقيد غانم بن حديب 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode