محمد فريح الحارثي
كاتب صحفي —
تمر المجتمعات الإنسانية بمراحل متقدمة من النضج والمراجعة لكل ما يمس العمل الاجتماعي والتنموي، وهو حراك إيجابي يواكب مسيرة بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ولعل القطاع غير الربحي يشهد اليوم اهتماماً مجتمعياً متزايداً وتساؤلات طبيعية حول آليات عمله وقنوات إنفاقه؛ وهو أمر ينبع في أصله من حرص المجتمع وغيرته على كفاءة هذا القطاع. هذا الاهتمام، وإن بدا في بعض جوانبه ملحاً، إلا أنه يعكس وعياً متنامياً يتطلع نحو أعلى مستويات الوضوح والموثوقية، وهي تطلعات مشروعة لكل باذل وداعم ومتابع.
لكن الإجابة العملية والبرهان النظامي الحاسم على هذه التطلعات لا يأتي عبر النقاشات النظرية أو السجالات الإعلامية، بل يتجسد في لغة الأرقام والمؤشرات الرسمية الصادرة عن أعلى سلطة تشريعية ورقابية في هذا القطاع. وهنا نستشهد بنموذج استثنائي ومضيء، تمثل في تحقيق “جمعية حماية الأسرة الأهلية” لنسبة كاملة (100%) في تقييم الحوكمة للجمعيات الكبيرة للعام المالي 2025م، والصادر عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
إن تحقيق العلامة الكاملة في معايير الحوكمة ليس مجرد شهادة تكريم عابرة، بل هو صك براءة مؤسسي، نظامي وقانوني بنسبة 100%. فهذا التقييم الصارم لا يُمنح جزافاً، بل يمر عبر فحص دقيق لثلاث ركائز سيادية في العمل المؤسسي: الالتزام والامتثال للأنظمة المرعية، الشفافية والإفصاح المطلق عن البيانات والتقارير المالية، والسلامة المالية التي تضمن ذهاب كل ريال إلى مستحقه الشرعي والنظامي دون هدر أو انحراف.
هذا الإنجاز يوجه رسالة بالغة الحكمة للمجتمع تذيب جبال التشكيك؛ فالعمل الخيري اليوم في المملكة لم يعد قائماً على العواطف المجردة أو الاجتهادات الفردية، بل أصبح عملاً تنموياً مقونناً يخضع لرقابة حوكمة صارمة تضاهي، بل وتتفوق أحياناً، على قطاعات ربحية عريقة. إن وجود جمعيات وطنية تحقق نسبة 100% يعيد ترسيخ الثقة المجتمعية على أرض صلبة من الحقائق القانونية، ويؤكد للجميع أن أموال المانحين وداعمي الخير تُدار بعقول احترافية وضمن قنوات نظامية محكمة تضمن استدامة الأثر ونقاء المسيرة.
كل التحية لـ “جمعية حماية الأسرة الأهلية” قيادةً وفريق عمل وشركاء؛ ليس فقط على تحقيقهم هذا التميز، بل لأنهم قدموا للمجتمع النموذج العملي الحي الذي يثبت أن العمل الخيري في وطننا يسير في الاتجاه الصحيح، محصناً بالنظام، مدفوعاً بالشفافية، ومستحقاً لكامل الثقة والدعم.







