دكتور حسن الأمير
“التاريخ له أهله وعلم الأنساب له أهله” قاعدة معرفية واجتماعية استقرت عليها البشرية منذ أن دونت العلوم ورسمت ملامح الحضارات……
فالخوض في هذه الفروع ليس نزهة فكرية ولا مساحة لملء الفراغ بل هو مسؤولية علمية وأخلاقية صارمة تتطلب أدوات استقصائية دقيقة وسنوات من البحث والتحقيق والأهم من ذلك الأمانة والنزاهة الفكرية التي تترفع عن الهوى والتحيز…….
ولكن في زمن الانفتاح الرقمي، وبشكل خاص على منصة التواصل الاجتماعي بات المشهد الثقافي والاجتماعي يعج بظاهرة غريبة ومقلقة حيث نصب الكثيرون أنفسهم جهابذة في التاريخ وفطاحلة في الأنساب…..
تجدهم يطرحون آراءهم وكأنها نصوص قطعية غير قابلة للنقاش أو المراجعة وفي اللحظة التي يواجهون فيها برأي علمي مخالف أو تساؤل منطقي يشهرون في وجه محاوريهم عبارة جاهزة “أنا عندي الوثائق”………
عن أي وثائق يتحدث هؤلاء؟ وكيف تحولت الوثيقة التاريخية من أداة علمية تخضع للفحص والمقارنة وسياق الزمان والمكان إلى “صكّ ملكية” أو “سلاح شخصي” يُلْقم به الخصوم في جدالات افتراضية؟ إنها عقلية مأزومة تعاني من فقر في الوعي والمعرفة عندما تعتقد أن بإمكانها صياغة أنساب البشر وتاريخ القبائل والشعوب وفقاً للأهواء أو إرضاء لأطراف أخرى
أو بحثاً عن وجاهة رقمية زائفة والأنكى من ذلك أن هذه الساحة الافتراضية باتت تكتظ “بالمعرفات المجهولة” وأسماء مستعارة وصور وهمية تدخل بكامل ثقلها لتفتي في أصول الأسر وتاريخ الدول……
ومن نافذة الوعي والحصانة الفكرية نقولها بكل وضوح لا مصداقية لكل من يتحدث في تاريخ أو نسب من وراء قناع فالذي لا يملك الشجاعة الأدبية ليربط اسمه الصريح بطرحه كيف يؤتمن على أمور تمس هوية مجتمعات وأعراض قبائل؟
إن الهدف الحقيقي لغالبية أصحاب هذه المعارف والممارسات لا يخرج عن دائرة “المناكفات والمكايدات الرقمية” هو طرح متبادل بين فئتين كلاهما يخدم الآخر في حلقة مفرغة من الجدل العقيم فئة تبحث عن إثبات شيء تفتقده وعجزت عن إثباته في أرض الواقع وفئة أخرى تقتات على إشعال الفتن والتكسب من ورائها بصناعة “المحتوى الجدلي” لزيادة التفاعل والمشاهدات……
وبينما تفتح نوافذ التعليم أبوابها في كل أنحاء الوطن وتوفر المؤسسات الرسمية والجامعات والمراكز البحثية المتخصصة منابر علمية حقيقية لكل باحث جاد…. ومن المؤسف أن يترك البعض هذه المنابر المضيئة ليرهنوا عقولهم ووقتهم”لسماسرة التاريخ والأنساب” على منصات التواصل إن مواجهة هذا العبث الرقمي وحماية أمننا المعرفي والاجتماعي تتطلب منا تبني محددات واضحة تشكل حصانة جماعية تبدأ بالتمسك بالجامعات ودور الوثائق الوطنية والمراكز البحثية المعتمدة كجهات وحيدة يعتد بطرحها في مسائل التاريخ والأنساب وإسقاط أي شرعية تدعيها الحسابات الشخصية غير المؤهلة……
كما يتطلب الوعي الرقمي إدراك أن المحرك الأساسي لهذه الحسابات هو خوارزميات التفاعل والتكسب المادي من المشاهدات لذا فإن التجاهل التام وعدم الرد وإلغاء المتابعة هو السلاح الأقوى لقتل هذه الفتن في مهدها واستشعار المسؤولية الأخلاقية للأقلام عبر إدراك خطورة الخوض في أعراض القبائل وتاريخ الأسر والتذكير بالوازع الديني والأخلاقي الذي يجرم الطعن في الأنساب أو إثارة النعرات الجاهلية التي تهدد السلم الاجتماعي……..
ويأتي فوق ذلك كله ترسيخ مفهوم مواطنة الحاضر والمستقبل بأن فخر الإنسان الحقيقي وولاءه يتجسد في منجزاته الحاضرة وعطائه لوطنه ومواكبته لنهضته وتنميته، لا في الانكفاء على جدليات الماضي لقد حان الوقت للترفع عن هذه السجالات وعزل هذه الفئة التي أشغلت الساحة بطرحها الهدام فالوعي اليوم يتطلب منا تجاهل هذه الأصوات وإدراك أن الأنساب مصونة والتاريخ محفوظ بأيدي رجاله المؤهلين…….
وسيبقى التاريخ حصناً مشيداً يحميه رجاله الثقات وستظل الأنساب شرفاً مصوناً لا تخدشه الأقنعة الزائفة وقد آن الأوان لتغلق منصاتنا الافتراضية أبوابها أمام “سماسرة الوهم” الذين يحاولون رهن وعي المجتمع في دهاليز المكايدات الرقمية……
إن الترياق الحقيقي لهذا الوباء المعرفي هو الوعي اليقظ والتجاهل الحازم والعودة إلى منابر العلم والجامعات والمراكز الرسمية التي توثق الحقيقة بمسؤولية ونزاهة فلنترك العبث لأهله ولنلتف حول أهدافنا الكبرى فالهويات المتجذرة لا تهزها غبار المعارك الرقمية العابرة وكرامة الإنسان وقيمته تبنى بعطائه الحاضر وولائه لوطنه لا بمعارك افتراضية يقودها مجهولون…..








