ظلّ الموسيقى

 

بقلم: إبراهيم المنسي –

مملكة البحرين/

صدى نيوز إس

في كلِّ مساءٍ،

حين يسكنُ الضجيجُ وتغفو المدينةُ على أنفاسها الأخيرة،

أجلسُ قربَ جهازٍ قديمٍ يشبهُ صندوقَ الأسرار.

أضعُ أسطوانتي المفضّلة،

فتنطلقُ الألحانُ ببطءٍ، كما لو أنّ الزمنَ يستيقظُ من نومٍ طويل.

 

كانت الموسيقى تملأ المكانَ برفقٍ،

تدورُ في الغرفة مثل عطرٍ منسيٍّ يبحثُ عن صاحبه.

وكنتُ أغمضُ عينيّ،

لأسمعها كما لو أنها تُعزفُ في داخلي لا من مكبّر الصوت.

هناك، في عمقِ الصمت،

كنتُ أسمعُها واضحةً، نقيّةً،

كأنَّها تخرجُ من قلبي وتعودُ إليه.

 

كانت هي تحبُّ الموسيقى أكثرَ من الكلام،

تقول دائمًا: “اللحنُ أصدقُ من الجُمل،

فهو لا يحتاجُ إلى مبرّرات.”

كنتُ أضحكُ،

لكنّني اليوم، بعد أن غابت،

أفهمُ ما كانت تقصده تمامًا

فكلُّ نغمةٍ صارت تحملُ ملامحَها،

وكلُّ مقطعٍ موسيقيٍّ صار يشبهُ تنفّسَها بين الضحكات.

 

أحيانًا، أسمعُ النغمةَ الأخيرة تتكرّر في رأسي،

ولا تنتهي.

كأنّها ترفضُ أن تموت.

حتى بعد أن يتوقّفَ العزف،

يبقى هناك ظلٌّ للموسيقى،

خفيفٌ كالحلم،

يملأُ الفراغَ بين القلبِ والذاكرة.

أتذكّرُ ليلةً بعيدة،

كنا نجلسُ قربَ النافذة والمطرُ يعزفُ بالخارج.

قالت لي وهي تضعُ رأسَها على كتفي:

“حين نموت، سأكونُ نغمةً في الموسيقى التي تحبّها.”

ضحكتُ يومها من فرطِ الشجن،

لكنّي اليوم أسمعُها كلّما عزفتُ اللحنَ ذاته.

كأنَّ وعدَها ما زالَ قائمًا،

كأنَّها عادتْ في صورةِ موسيقى لا تنتهي.

أحيانًا أظنُّ أن الله خلقَ الموسيقى

ليمنحَنا طريقةً أُخرى للبكاء دون دموع،

وللحبّ دون اعتراف.

فالنغمةُ، حين تدخلُ القلب،

تُعيدُ ترتيبَ الحنين فيه بهدوء،

كمن يُصلحُ ساعةً توقّفَت عن النبض.

 

الموسيقى لا تعزفُ فقط على الأوتار،

بل على خيوطِ الوقت.

هي ذاكرةٌ سماعية،

تُعيدُ لك كلَّ ما فقدتَه دون أن تراه.

تذكّرُك بمن كنتَ،

وتهمسُ في أذنك أنَّ الجمالَ لا يزول،

بل يتخفّى في الأصواتِ التي لم نعد نسمعُها إلا حين نصمتُ تمامًا.

وحين ينتهي اللحن،

لا أنطفئ.

أتركُ الجهازَ ساكنًا،

لكنَّ الموسيقى تستمرُّ داخلي.

كأنَّ الصمتَ صارَ امتدادًا لها،

كأنَّها لم ترحل بل غيّرتْ شكلها.

وفي كلِّ مرةٍ أغلقُ فيها عينيّ،

أسمعُ لحنًا لا يعرفُ أحدٌ من أين يأتي.

ربما من ذاكرتها،

وربما من قلبي الذي تعلّمَ أخيرًا

أن يعزفَ وحده…

حين يصغي إلى ظلِّ الموسيقى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

مجلس الحكواتي غنوة مصطفى… حين يقف القانون أمام القصيدة

أدار الحوار: فايل المطاعني الحكواتي المقدمة ليست كل شاعرة تكتب قصيدة، وليست كل قصيدة قادرة على أن تكشف لنا العالم الذي يسكن صاحبها. فهناك شعراء يكتبون ما يشعرون به، وهناك شعراء يجعلوننا نعيد النظر فيما نشعر به، وفيما نظنه حقيقة. ضيفتنا اليوم تجمع بين عالمين؛ عالم القانون بما يحمله من حجة ودليل ومسؤولية، وعالم الشعر بما يفتحه من أسئلة وتأويلات ومناطق لا تخضع دائمًا للمنطق. إنها…

من حكاوى زمان ثالث،خواته

  ا/محمد باجعفر إظهر،وبأن عليك الأمان في ثوب وشماخ وتهز الارض،هز، ثالث خواته هو مثل شعبي ينقل صورة، شخص يدعي،الرجولة وهو بريء،منها يصف الى جوار خواته وهن مجموعة من النسوة، يجتمعنا سوية في بساط أحمدي لاراعي ولا ولي كل منهن يدلي بدلوه فواحدة تجيب الفصفص (اللب) وأخرى تسكب الشاي، وتصب القهوة، الأخرى تقدم والحلى وواحدة توزع الفناجين وكاسات الشاي،والصحون وهاتيك نظرات العيون تسري ليلة وتيجي أخرى…

لقد فاتك ذلك

مدير « زراعة جازان» يبحث تعزيز التعاون الإعلامي وبناء القدرات مع هيئة الصحفيين بالمنطقة 

مدير « زراعة جازان» يبحث تعزيز التعاون الإعلامي وبناء القدرات مع هيئة الصحفيين بالمنطقة 

ملتقى صناعة الوجهات وسياحة الأعمال يستعرض فرص تطوير القطاع السياحي بالشرقية

ملتقى صناعة الوجهات وسياحة الأعمال يستعرض فرص تطوير القطاع السياحي بالشرقية

تيميمون تحتضن تظاهرة دولية للطائرات الورقية ومناطيد الهواء الساخن بمشاركة أزيد من 70 مشاركا

تيميمون تحتضن تظاهرة دولية للطائرات الورقية ومناطيد الهواء الساخن بمشاركة أزيد من 70 مشاركا

الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تبحث سبل توسيع الاستثمارات العُمانية في الجزائر

الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تبحث سبل توسيع الاستثمارات العُمانية في الجزائر

إنقاذ حياة طفل خديج في مستشفى القنفذة العام

إنقاذ حياة طفل خديج في مستشفى القنفذة العام

مدينة الملك عبدالله الطبية تطلق نظامًا رقميًا لإدارة مهام الجودة وتؤهل 184 ميسّرًا للجودة من مختلف أقسامها

مدينة الملك عبدالله الطبية تطلق نظامًا رقميًا لإدارة مهام الجودة وتؤهل 184 ميسّرًا للجودة من مختلف أقسامها

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode