حفظ النعمة بين الوعي الغائب ومسؤولية التنظيم

بقلم:

الإعلامي / خضران الزهراني

حفظ النعمة مفهوم عظيم، متجذّر في القيم الدينية والأخلاقية، قبل أن يكون توجيهًا اجتماعيًا أو سلوكًا حضاريًا. فهو ليس شعارًا يُرفع، ولا عبارة تُردد، بل ممارسة يومية تعكس وعي الإنسان وشعوره بالمسؤولية تجاه ما أنعم الله به عليه، وتجاه مجتمعه وبيئته من حوله.

غير أن المتأمل في واقع بعض الأسواق، خاصة تلك البعيدة عن الرقابة والتنظيم، يلحظ صورة مؤلمة تتناقض تمامًا مع معنى حفظ النعمة. فالبذخ في الأكل والمشرب، والإسراف في الأموال، والعرض العشوائي للبضائع على الأرصفة والطرقات، ثم رمي الخضروات والفواكه الفاسدة والمتعفنة في الشوارع، كل ذلك لا يُعد حفظًا للنعمة، بل امتهانًا لها بصورة صريحة.

إن مشهد الخضروات الملقاة على الطرقات، وقد تحولت إلى مصدر للروائح الكريهة، وجاذب للحشرات والأمراض، لا يسيء فقط للبيئة والصحة العامة، بل يشوه المشهد الحضري، ويعكس غياب التنظيم وضعف الإحساس بالمسؤولية. فالنعمة التي كان الأولى أن تُحفظ أو يُستفاد منها أو يُتخلص منها بطرق صحية ونظامية، أصبحت عبئًا بصريًا وبيئيًا وصحيًا على المجتمع.

حفظ النعمة، في جوهره، يعني احترام الغذاء وعدم إهداره، وتنظيم عملية البيع والعرض بما يليق بكرامة الإنسان، ويصون حق المجتمع في بيئة نظيفة وآمنة. كما يعني الالتزام بالأنظمة والتعليمات، والتعاون مع الجهات المختصة، لا التحايل عليها أو تجاهلها.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة:

مسؤولية البائع في الالتزام بالنظافة والتنظيم وعدم الإسراف.

مسؤولية المستهلك في رفض العشوائية وعدم تشجيعها.

ومسؤولية الجهات المعنية والمختصة في تكثيف الرقابة، وتنظيم الأسواق، وتطبيق الأنظمة بحق المخالفين، إلى جانب نشر الوعي والتثقيف بأهمية حفظ النعمة والالتزام بالسلوك الحضاري.

إن المجتمعات لا تُقاس بتوفر النعم فحسب، بل بكيفية التعامل معها. وحين يُفقد الوعي، تتحول النعمة إلى نقمة، ويتحول الخير إلى مصدر أذى. أما حين يحضر الوعي، ويُفعّل النظام، وتتكاتف الجهود، فإن حفظ النعمة يصبح ثقافة راسخة، وسلوكًا حضاريًا، وصورة مشرّفة تعكس قيم المجتمع وأصالته.

حفظ النعمة ليس ترفًا،

ولا خيارًا ثانويًا،

بل هو واجب ديني، ومسؤولية وطنية، وضرورة صحية وبيئية،

لا تكتمل إلا بالوعي، والتنظيم، وتحمّل المسؤولية من الجميع.

سلمي

Related Posts

فوائد إصلاح ذات البين

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس عبدالله شراحيلي في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية، تبرز الحاجة الملحّة إلى خلق بيئة يسودها الوئام والتسامح. ويُعدّ إصلاح ذات البين من أعظم القيم الإنسانية والإسلامية التي تسهم في ترميم العلاقات، وتقوية الروابط، ونشر السكينة بين الأفراد والمجتمعات. وقد حثّ الإسلام على هذا الخلق العظيم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، فجعل الإصلاح…

رفقة العمر التي لا تشيخ

  بقلم أ. غميص الظهيري في مشهدٍ إنسانيٍّ يعكس أسمى معاني الوفاء، لا تزال صداقة زملاء الدراسة في المعهد العلمي بمحافظة المندق حاضرةً ومتجددة، رغم مرور نحو خمسةٍ وأربعين عامًا على تخرجهم. لم تنل المسافات ولا مشاغل الحياة من تلك الروابط العميقة، بل زادتها الأيام رسوخًا وقوة. وفي ليلةٍ من ليالي الأخوة الصادقة، اجتمع هؤلاء الزملاء على مائدة الذكريات، يستحضرون تفاصيل البدايات، ويستعيدون مواقف الطفولة والشباب.…

لقد فاتك ذلك

الثبيتي يؤم المصلين لصلاة الجمعة من المسجد النبوي

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 12 views
الثبيتي يؤم المصلين لصلاة الجمعة من المسجد النبوي

السديس يؤم المصلين لصلاة الجمعة من المسجد الحرام

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 11 views
السديس يؤم المصلين لصلاة الجمعة من المسجد الحرام

حسن الصلهبي في أليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف بدأه بالعزف على أوتار مهترئة نحو الترجمة العالمية 

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 67 views
حسن الصلهبي في أليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف بدأه بالعزف على أوتار مهترئة نحو الترجمة العالمية 

الأستاذ محمد العامى مديرًا لمكتب صحيفة صدى فى الباحة

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 123 views
الأستاذ محمد العامى مديرًا لمكتب صحيفة صدى فى الباحة

صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب “مريع” يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى “سونق”

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 19 views
صبيا تستعيد ذاكرتها في اليوم العالمي للكتاب “مريع” يروي حكاية الأرض والإنسان بمقهى “سونق”

فوائد إصلاح ذات البين

  • By
  • أبريل 24, 2026
  • 24 views
فوائد إصلاح ذات البين

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode