التوهّم بالغيبيات وأثره النفسي على كبار السن

 

عادل بكري – جازان – صدى نيوز إس

يُعد الحديث عن الغيبيات جزءًا شائعًا من الحياة اليومية، سواء عبر القصص أو المقاطع الصوتية والمصورة أو من خلال النقاشات العامة. غير أن الإشكالية تظهر عندما يتحول هذا الحديث من مجرد اطلاع أو توعية إلى توهّم مستمر قائم على التخويف، يركّز على الموت وعواقب المستقبل المجهول والمصير النهائي، دون مراعاة الفروق النفسية والعمرية بين المتلقين.

يكون كبار السن أكثر تأثرًا بهذا النوع من الخطاب، ومع التكرار المستمر للرسائل المشحونة بالخوف قد تتشكل لديهم حالة من القلق الدائم، بدلًا من الطمأنينة والسكينة التي يُفترض أن ترافق هذه المرحلة العمرية.

ومن المهم الإشارة إلى أن بعض كبار السن لا يمتلكون معرفة كافية أو قدرة تحليلية تمكّنهم من فهم هذه المعلومات أو النصائح بشكل إيجابي، مما يؤدي أحيانًا إلى تفسيرها بصورة سلبية أو مخيفة. ويزداد هذا التأثير وضوحًا لدى من يعانون من مشكلات نفسية مسبقة، حيث يكونون أكثر عرضة للوساوس والقلق المزمن. ومع الوقت قد يدخل التوهّم بالغيبيات في تفكيرهم اليومي، مما يضاعف شعورهم بالخوف وعدم الأمان ويؤثر سلبًا على استقرارهم النفسي.

إن تكرار مفردات التخويف، مثل الموت والمجهول، خاصة عندما تُقدَّم بصورة جازمة ومشحونة عاطفيًا، يؤدي إلى ترسيخ صور ذهنية سلبية ويزيد من حدة التوتر النفسي. هذا التكرار لا يقتصر على التذكير فقط، بل قد يتحول إلى وسيلة ضغط نفسي غير مباشر تُزرع من خلالها مخاوف يصعب التخلص منها.

كما أن انتشار المقاطع المصورة أو الصوتية التي تعتمد على المؤثرات المخيفة يفاقم التأثير السلبي، حيث يتم تحفيز المشاعر بدلًا من مخاطبة العقل، وإثارة الرهبة بدل الفهم. ومع كثرة التعرض، قد يعاني بعض كبار السن من اضطرابات في النوم أو من قلق مزمن مرتبط بالموت والمجهول.

وفي هذا السياق، يظهر ما يمكن وصفه بالتلاعب النفسي، حين يُستغل الخوف الفطري من المجهول كأداة للتأثير، ويتم تقديم الغيب على أنه سلسلة من التهديدات المتتابعة، بدل أن يُفهم كجزء طبيعي من الحياة قد يحمل أحداثًا غير متوقعة. هذا الأسلوب لا يراعي التوازن النفسي، ولا يميز بين التذكير الصحي والترهيب المفرط، ويزداد خطره لدى كبار السن الذين يعانون من مشكلات نفسية أو لديهم قابلية للوساوس والخوف الدائم.

في الختام

يتضح أن التكرار المستمر للغيبيات المخيفة والتوهّم بها لا يُعد مجرد وسيلة للتذكير، بل قد يتحول إلى عامل ضغط نفسي يؤثر بشكل مباشر على كبار السن، ويزرع في نفوسهم القلق والخوف من المجهول. لذلك، من الضروري أن يكون الخطاب متزنًا، يراعي الحالة النفسية والمعرفية للمتلقي، ويهدف إلى الطمأنينة والفهم الصحيح بدل التخويف، خاصة عند التعامل مع من يعانون من مشكلات نفسية، لضمان وصول الفكرة والتذكير الإيجابي دون إلحاق ضرر نفسي، وحتى لا تنقلب التوعية إلى جريمة نفسية مظلمة باسم التوعية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

بين رؤية المربي ورؤية المتربي… كيف نفهم أبناءنا قبل أن نوجههم؟

ةبقلم د / معدي حسين علي آل حيه  بحكم عملي موجهًا طلابيًا قرابة 29 عامًا، اخترت لكم الكتابة في موضوع يهم الآباء والمربين، مستفيدًا من مادة تربوية منشورة في أحد المواقع المتخصصة في التربية؛ لما لهذا الموضوع من أثر كبير في نجاح العملية التربوية وبناء شخصية الأبناء والطلاب. تُعد العلاقة بين المربي والمتربي من أهم العلاقات التي تقوم عليها صناعة الإنسان، فالتربية ليست مجرد نقل معلومات…

الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات

✍️محمد فريح الحارثي لواء متقاعد أجدني اليوم أمام حالة اجتماعية ثقافية تستدعي القراءة والمكاشفة فمن واقع تجربة ميدانية وشغف بمتابعة أثر التواصل الرقمي داخل عشرات المجموعات او ما يسمى القروبات —تضم آلاف الأعضاء من أطباء، ومهندسين، وضباط، وأكاديميين، ومتقاعدين— خرجت بنتيجة واحدة: نحن نمر بإنهاك ذكاء مجتمعي كامل تحت وطأة السيولة والعشوائية الرقمية. المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الإزعاج أو إضاعة الوقت، بل في زوايا…

لقد فاتك ذلك

بين رؤية المربي ورؤية المتربي… كيف نفهم أبناءنا قبل أن نوجههم؟

بين رؤية المربي ورؤية المتربي… كيف نفهم أبناءنا قبل أن نوجههم؟

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقدم مساحة قانونية تناولت مصطلح القوة القاهرة.

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقدم مساحة قانونية تناولت مصطلح القوة القاهرة.

الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات

الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات

كيمياء الضوء داخل الخلية… نحو علاجات ذكية

كيمياء الضوء داخل الخلية… نحو علاجات ذكية

عامل الناس بثلاث… فلسفة الأخلاق التي تبني الإنسان والمجتمع

عامل الناس بثلاث… فلسفة الأخلاق التي تبني الإنسان والمجتمع

ريّانة العُود

ريّانة العُود

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode