حين تقودنا الكلمة الى ما وراء ظاهرها

ايمان المغربي – جدة

بحكم سنوات قضيتها بين التعليم والقراءة ومرافقة الكلمة في تفاصيل الحياة لم تكن الكتابة بالنسبة لي موضوع جديد ولا مساحة غريبة لكنها تظل مجال يتسع كلما ظننت ان حدودها اتضحت

ومع ذلك جاءت ورشة فن الكتابة التي قدمتها الاستاذة ايمان محمد في كافيه مجالس المقام لتفتح نافذة مختلفة على الكلمة لا بوصفها صياغة لغوية فقط بل بوصفها وعي يتشكل قبل ان يتحول الى نص

منذ اللحظة الاولى لم يكن المشهد اقرب الى ورشة تقليدية بل الى مساحة فكرية تتحرك فيها الفكرة بين السؤال واعادة النظر وبين الطرح وما يفتحه من احتمالات

ما لفتني في ادارة الاستاذة ايمان محمد للقاء انها لم تكن تقدم المادة بمعزل عن الحضور بل كانت تقود مسار الحوار كمن يمسك بخيوط غير مرئية يعرف متى يترك الفكرة تنضج ومتى يعيد توجيهها ومتى يفتح لها مسار اخر دون ان يفقدها توازنها

لم يكن حضورها القاء بل صناعة وعي جماعي يتشكل لحظة بلحظة داخل القاعة

وفي المقابل كان الحضور جزء اصيل من هذا التكوين لا متلقين على هامشه مداخلات تتداخل فيها التجارب واختلافات لا تشتت الفكرة بل تعيد توزيعها وكأن كل راي يضيف زاوية رؤية لا تلغي ما قبلها بل توسعها

وفي اكثر من لحظة لم تكن الاجابات تنهي السؤال بل تعيده بشكل اعمق وكأن النقاش لا يبحث عن نهاية بل عن طبقة اخرى من الفهم

ومن المحاور التي استوقفتني العلاقة بين الكتابة والالوان وكيف يمكن لعناصر تبدو خارج حدود اللغة ان تشارك في تشكيل الحالة الداخلية التي يكتب منها الانسا

عندها يصبح النص ليس مجرد كلمات بل انعكاس لبيئة كاملة تلتقي فيها المشاعر والذاكرة والانطباع اللحظي وطريقة استقبال العالم

وهنا تتضح الكتابة بوصفها امتداد للانسان لا مهارة منفصلة عنه بل طريقة في الوجود

كما تبرز فكرة لا تقل عمق ان قوة النص لا تأتي من احكام الصياغة وحدها بل من صدق التجربة التي تقف خلفه

فبعض النصوص لا تحتاج الى شرح كي تصل لانها تحمل داخلها ما يكفي من الحياة ليكون واضح دون تفسير

وخلال الورشة كان هناك شعور ثابت باننا لسنا امام اصوات متفرقة بل امام مساحة واحدة تتشكل فيها الفكرة جماعي

لم يكن الحوار يسير في اتجاه واحد لكن كان هناك ما يشبه البوصلة غير المرئية التي تجمع الاختلاف داخل معنى واحد حتى بدا ان التباين لا يفكك المشهد بل يعيد تنظيمه حول مركز اعمق للفه

لم يكن الاختلاف هدفه اثبات راي بل توسيع زاوية النظر

وهنا تتضح قيمة الحوار حين يتحول من تبادل افكار الى بناء وعي مشترك

ومن اكثر ما بقي بعد انتهاء اللقاء ان السؤال لا يقل اهمية عن الاجابة بل قد يسبقها في القيمة لانه يفتح ما لا تغلقه الاجابات السريع

وغادرت المكان لا احمل خلاصة جاهزة بل طريقة مختلفة في النظر الى ما يبدو مألو

فبعض اللقاءات لا تضيف معلومة بل تعيد ترتيب علاقتنا بالمعلومة ذاتها

وفي النهاية لم تكن هذه الورشة مجرد تدريب على فن الكتابة بل كانت مساحة لاختبار علاقة الانسان بالكلمة قبل ان يكتبها

الكتابة ليست ما يظهر على الورق بل ما يتشكل في الداخل قبل ان يجد طريقه الى اللغة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

التربية الناجحة تبدأ بالقدوة والرفق

  بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه تُعدّ التربية الصالحة من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الآباء والأمهات، فهي ليست مجرد توجيهات وأوامر ونواهٍ، وليست مقتصرة على توفير الطعام واللباس والتعليم، بل هي رسالة عظيمة تهدف إلى بناء الإنسان إيمانياً وأخلاقياً ونفسياً وسلوكياً، وإعداده ليكون فرداً صالحاً في أسرته ومجتمعه وأمته.   وإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الأبناء مبادئ الحياة وقيمها، فإن…

بقاء الهوية على مائدة التاريخ: رحلة الطعام وتشكّل المذاق السعودي

  بقلم أحمد علي بكري ليست المائدة مجرد مكان تجتمع حوله الأيدي لتناول الطعام، وليست الأطباق التي تتوارثها الأجيال مجرد وصفات تحفظها الذاكرة من دون أن تحمل وراءها حكايات أعمق؛ فالمائدة سجل تاريخي مفتوح، تقرأ فيه حركة الشعوب، وتتعرف من خلاله على مسارات الهجرة والتجارة، وآثار الحج والرحلات البحرية، وعلاقات الجوار والتبادل الثقافي. إن كل طبق استقر في بيئة ما يحمل في مكوناته وطريقة إعداده شيئًا…

لقد فاتك ذلك

سفراء الأمل ومكتب مدينتي المعذر ينظمان ورشة توعوية بمناسبة اليوم العالمي لهشاشة العظام

سفراء الأمل ومكتب مدينتي المعذر ينظمان ورشة توعوية بمناسبة اليوم العالمي لهشاشة العظام

‏جمعية مكنون تبرم عدة إتفاقيات تعاون مع عدد من الجهات

‏جمعية مكنون تبرم عدة إتفاقيات تعاون مع عدد من الجهات

التربية الناجحة تبدأ بالقدوة والرفق

التربية الناجحة تبدأ بالقدوة والرفق

جمعية الطائف الخيرية لذوي الاحتياجات الخاصة تنظّم فعالية توعوية بمناسبة اليوم العالمي للتأتأة

جمعية الطائف الخيرية لذوي الاحتياجات الخاصة تنظّم فعالية توعوية بمناسبة اليوم العالمي للتأتأة

بقاء الهوية على مائدة التاريخ: رحلة الطعام وتشكّل المذاق السعودي

بقاء الهوية على مائدة التاريخ: رحلة الطعام وتشكّل المذاق السعودي

شاعر مخضرم يتحدث بالفخر نثرًا وشعرًا عن “إبنته”.. الأبوة في أجمل معانيها

شاعر مخضرم يتحدث بالفخر نثرًا وشعرًا عن “إبنته”.. الأبوة في أجمل معانيها

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode