صرخة في وجه الصمت: لماذا يؤلمنا التجاهل؟

 

ياسر الحلوي – جازان

في زحمة الحياة وصخبها، قد يمر بنا شعور قاسٍ كلسعة برد في يوم دافئ، ألا وهو التجاهل. ليس مجرد عدم الانتباه العابر، بل هو الإحساس بأن وجودك وكلماتك وحتى مشاعرك تسقط في بئر عميقة لا قرار لها. إنه شعور بالضآلة، وكأنك أصبحت شيئًا غير مرئي، صوتًا غير مسموع. فلماذا يترك التجاهل في نفوسنا ندوبًا عميقة؟

يكمن جزء كبير من ألم التجاهل في طبيعتنا الاجتماعية كبشر. نحن مخلوقات تواقة للتواصل والاعتراف. منذ نعومة أظفارنا، نسعى للحصول على نظرة تقدير من أعين أمهاتنا، وكلمة تشجيع من آبائنا، وتفاعل من أقراننا. هذه التفاعلات تبني هويتنا وتعزز شعورنا بالانتماء والقيمة. عندما يُحجب عنا هذا الاعتراف، نشعر وكأن جزءًا أساسيًا من كياننا قد تم إنكاره.

التجاهل، في جوهره، هو شكل من أشكال الرفض الصامت. إنه يقول بصوت عالٍ: “أنت غير مهم”، “ما تقوله لا يعني شيئًا”، “وجودك لا يحدث فرقًا”. هذا الرفض يؤثر بشكل مباشر على تقديرنا لذاتنا، ويزرع بذور الشك في قيمتنا وأهميتنا. نبدأ في التساؤل عما إذا كان هناك خطب ما بنا، أو بما نقوله، أو حتى بمن نكون.

على المستوى النفسي، يمكن أن يؤدي التجاهل إلى مجموعة من المشاعر السلبية المؤلمة. يبدأ الأمر غالبًا بالإحباط والانزعاج، ثم يتطور إلى شعور عميق بالوحدة والعزلة. قد يثير التجاهل أيضًا الغضب والاستياء، خاصة إذا كان صادرًا من شخص نهتم لأمره أو نعتبره مقربًا. وفي الحالات المزمنة، يمكن أن يتسبب التجاهل في القلق والاكتئاب وتآكل الثقة بالنفس.

إن وطأة التجاهل تزداد حدة عندما يأتي من شخص عزيز أو ذي سلطة. فتجاهل الشريك يكسر أواصر العلاقة الحميمة، وتجاهل الصديق يزرع بذور الشك في الوفاء، وتجاهل الرئيس في العمل يحبط الطموح ويقلل من الإنتاجية. في هذه الحالات، لا يكون التجاهل مجرد إغفال، بل يصبح فعلًا مؤذيًا يترك آثارًا طويلة الأمد.

لا يعني هذا أن كل سهو أو عدم انتباه هو تجاهل مقصود. ففي خضم الحياة المزدحمة، قد ننشغل أو نغفل عن قصد. لكن الفرق يكمن في النية والتكرار. التجاهل الحقيقي هو فعل واعٍ بالاستبعاد والإقصاء، وهو ما يجعله مؤلمًا للغاية.

في النهاية، يبقى التجاهل صرخة صامتة تحتاج إلى من يسمعها. إنه دعوة إلى التواصل الإنساني الحقيقي، القائم على الاحترام والتقدير المتبادل. بدلًا من بناء جدران من الصمت، فلنبادر بالإنصات والاهتمام، فكلمة طيبة ونظرة مهتمة قد تكون البلسم الذي يداوي جراح التجاهل العميقة.

صدى نيوز إس 5

Related Posts

“جت لي أم الركب”.. حين يترجم الجسد مشاعر الخوف

  بقلم /فوزية الوثلان تُعد عبارة “جت لي أم الركب” من أكثر العبارات الشعبية تداولًا عند التعرض لموقف مفاجئ أو مخيف، وهي تعبير دقيق يصف شعور الإنسان بضعف مفاجئ في ساقيه أو ارتخاء ركبتيه حتى يكاد يفقد توازنه من شدة الخوف أو الصدمة. وعلميًا، لا تُعد هذه الحالة مجرد وصف مجازي، بل هي استجابة طبيعية من الجسم للخطر. فعندما يشعر الدماغ بوجود تهديد، يفرز الجسم هرمونات…

لا تلتفت إلى الباب بعد الإغلاق

  الإعلامي: عادل بن محمد البكري جازان- صحيفة صدى نيوز إس ليست كلُّ المعارك تُرى، فبعضُها يسكن الأعماق بصمتٍ لا يُسمع. تُرهق الروح أوجاعٌ لا تُعلن عن نفسها، وتستنزف العمر أشياء لا تُروى، لكنها تثقل القلب يومًا بعد يوم. وفي لحظةٍ ما، يدرك الإنسان أن النجاة ليست في الهروب، بل في التحرر ممّا لم يعُد يشبهه، وأن الطريق لا يصبح أخفّ حين يقصر، بل حين نخفف…

لقد فاتك ذلك

أمير جازان يُكرِّم المشاركين من المنطقة في أعمال الحج لعام 1447

أمير جازان يُكرِّم المشاركين من المنطقة في أعمال الحج لعام 1447

“جت لي أم الركب”.. حين يترجم الجسد مشاعر الخوف

“جت لي أم الركب”.. حين يترجم الجسد مشاعر الخوف

تعليم الباحة يكرّم أكثر من 100 طالب وطالبة ومشرفٍ ومشرفة في برامج النشاط الطلابي للعام 1447هـ

تعليم الباحة يكرّم أكثر من 100 طالب وطالبة ومشرفٍ ومشرفة في برامج النشاط الطلابي للعام 1447هـ

جمعية يسر للتنمية الأسرية بمكة المكرمة تقيم اليوم ورشة تدريبية بعنوان: “إدارة الخلافات الأسرية بذكاء”

جمعية يسر للتنمية الأسرية بمكة المكرمة تقيم اليوم ورشة تدريبية بعنوان: “إدارة الخلافات الأسرية بذكاء”

جمعية طفولة آمنة بالتعاون مع الأمان الاسري الوطني تقيم ورشة عمل بعنوان (أسرة عظيمة تصنع طفولة ملهمة)

جمعية طفولة آمنة بالتعاون مع الأمان الاسري الوطني تقيم ورشة عمل بعنوان (أسرة عظيمة تصنع طفولة ملهمة)

أحمد خليل:حارس منتخب قطر (سابقا) يؤكد : من إرث قطر 2022 إلى كأس العالم 2026 ثمانية منتخبات عربية تكتب التاريخ

أحمد خليل:حارس منتخب قطر (سابقا) يؤكد : من إرث قطر 2022 إلى كأس العالم 2026 ثمانية منتخبات عربية تكتب التاريخ

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode