من الهدر إلى النماء.. ثقافة الأسهم الوقفية: “هديةٌ لا تذبل وأثرٌ لا ينقطع”

اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي
من الورد إلى الوقف: الهدية التي تبقى
في عمق ثقافتنا العربية وقيمنا الإسلامية، تظل الهدية جسراً للمحبة ورسالة تقديرٍ صامتة تتجاوز الكلمات؛ امتثالاً للهدي النبوي الشريف: “تهادوا تحابوا”. ففي أفراحنا، تخرجنا، ومناسباتنا الرسمية، كانت ولا تزال الهدية هي اللغة الرسمية للتعبير عن المودة والمواساة والتقدير.
فخ الجمال المؤقت: أين تذهب أموالنا؟
المشهد المعتاد في مناسباتنا السعودية اليوم يغصّ بأطواق الورد الطبيعي والدروع الخشبية والزجاجية الفاخرة. ورغم نبل القصد، إلا أننا أمام حقيقة صادمة تتكشف بعد انطفاء أضواء الحفل فالورد مصيره الذبول خلال أيام، والدروع الفاخرة غالباً ما تنتهي حبيسة الأدراج أو منسية في المخازن، مما يحول هذا الكرم إلى شكل من أشكال “الهدر الصامت”.
لغة الأرقام: سوق الهدايا في السعودية
تشير التقديرات الحديثة إلى أن حجم سوق الهدايا في المملكة بلغ نحو 3.1 مليار ريال سنوياً في عام 2025، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي وتوسع قطاع التجزئة وتنامي الفعاليات والمعارض الكبرى (بحسب تقارير الهيئة العامة للإحصاء).
وفي ظل سعي رؤية المملكة 2030 للحد من الهدر، بات لزاماً علينا مراجعة سلوكنا الاستهلاكي في الهدايا وتحويله نحو الاستدامة.
هدية برؤية 2030: مبادرة “هديتك أثر”
وسط هذا التحدي، تبرز مبادرة “هديتك أثر” كحلٍّ ذكي يجمع بين التقدير الاجتماعي والاستثمار الأخروي. الفكرة ببساطة: بدلاً من إنفاق مئات والاف الريالات على جمالٍ زائل، يتم تحويل القيمة إلى “سهم وقفي” مسجل باسم الشخص المُهدى إليه.
تخيل لو استبدلنا في مناسبات اليوم الواحد على مستوى مناطق ومحافظات المملكة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو المناسبات الفردية، بأسهم وقفية؛ فكم من ملايين الريالات سنستثمرها بدل الهدر؟ نحن هنا لا نتحدث عن مجرد هدية، بل عن لبنة أساسية في مشروع خيري مستدام مثل بناء مستشفى، رعاية أيتام، دعم بحوث، أو سداد احتياج أسرة يستمر أجرها للمُهدي والمُهدى إليه أبد الدهر.
لماذا السهم الوقفي هو الخيار الأذكى؟
التحول نحو ثقافة الأسهم الوقفية يحقق معادلة النجاح الثلاثية:
الترشيد: حماية الموارد المالية من الإنفاق في سلع فانية.
النماء: تحويل المال إلى أصل استثماري يدرّ خيراً مستمراً.
الأثر المستدام: مواكبة مستهدفات رؤية 2030 في رفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2030 (وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية).
ختاماً: لنترك أثراً يبقى
إن تغيير مفهوم الهدية من “مادة تفنى” إلى “أثر يبقى” هو ارتقاء بوعينا المجتمعي. فارجو في المرة القادمة التي تودون فيها تهنئة صديق أو تكريم زميل، فكروا في “السهم الوقفي”. اجعلوا هديتكم صدقة جارية، واستثماراً لا يعرف الخسارة، لنكون مساهمون حقيقيون في بناء مجتمع خيري مستدام يليق بطموحات وطننا العظيم.



